في ولاية الجزيرة يبدو أن هناك موهبةً رسميةً نادرة لا تُدرَّس في الجامعات، ولا تُكتسب بالتجربة، وإنما يولد بها أصحابها: موهبة تحويل الحقوق إلى وعود، والوعود إلى لجان، واللجان إلى جداول، حتى يصبح الزمن نفسه وسيلةً لإطفاء المطالب، لا لإنصاف أصحابها.
وفي اللقاء الذي جمع والي ولاية الجزيرة الطاهر إبراهيم الخير، برئيس اتحاد نقابات عمال الولاية، حيدر بخيت، استمع العاملون، وعلى رأسهم المعلمون، إلى فصلٍ جديد من روايةٍ طال أمدها حتى قاربت أن تصبح نمطًا ثابتًا في إدارة الأزمات.
رواية تبدأ دائمًا بعدم الاعتراف بوجود مشكلة، ثم تنتهي بوعدٍ جديد بمعالجة أشياء تفترضها في المستقبل، وكأن المستقبل أصبح الخزانة الوحيدة التي تُحفظ فيها حقوق العاملين.
يقول رئيس الاتحاد، بعد ان طوى النسيان كم هائل من المشاكل: إن الاتحاد حريص على معالجة قضايا العاملين.
هل تقصد، “سعادتك” تلك القضايا التي تراكمت لأكثر من ثلاث سنوات؟
غير أن هذا التصريح يفرض سؤالًا مشروعًا لا يستطيع أحد تجاوزه: أين كان هذا الحرص طوال تلك السنوات؟
وأين كانت هذه الجدية عندما كانت المتأخرات تتراكم شهرًا بعد شهر، وعامًا بعد عام؟
وأين كان صوت الاتحاد حين كان المعلم يواجه الغلاء وتكاليف المعيشة وحيدًا، بينما كانت البيانات الرسمية تتحدث عن الإنجازات والنجاحات؟
أما والي الولاية فقد أكد أن العاملين هم أساس التنمية، والمعوَّل عليهم في البناء والإعمار (يا… خطير يا والي!!).
وهي عبارة لا يختلف عليها اثنان، لكنها لا تكتسب قيمتها من جمال ألفاظها، وإنما من صدق تطبيقها.
فمن المفارقات أن يُطلب من العامل أن يبني مؤسسات الدولة، بينما تعجز الدولة عن الوفاء بأبسط التزاماتها تجاهه.
إن العامل الذي تُؤجَّل حقوقه لسنوات يشبه من يُطلب منه أن يُضيء مصباحًا بلا كهرباء.
غير أن أكثر ما يثير الدهشة في هذا اللقاء أن الحديث لم يكن عن صرف المتأخرات، بل عن “تسهيل الإجراءات” لصرفها.
وكأن المشكلة طوال السنوات الماضية لم تكن نقصًا في الإرادة أو التمويل، وإنما مجرد ملفٍ ضلَّ طريقه بين المكاتب!
وكأن آلاف العاملين لم يعيشوا سنواتٍ من الضيق بسبب حقوقٍ مالية معلقة، وأزمة ثقةٍ متفاقمة بين العاملين والجهات التي يفترض أنها تدافع عن مصالحهم.
ثم جاء التصريح الأكثر إثارة، حين أعلن الأمين العام للاتحاد، حافظ ميرغني، التوصل إلى اتفاقٍ يقضي بجدولة جميع الاستحقاقات والمتأخرات.
وهنا تكمن جوهر القضية.
فالجدولة، في الخطاب الإداري السوداني، تحولت إلى كلمةٍ سحرية تُرحَّل إليها الأزمات كلما عجزت المؤسسات عن حلها.
فإذا عجزت عن السداد، جدولت.
وإذا تراكمت الحقوق، جدولت.
وإذا ارتفعت أصوات المتضررين، جدولت مطالبهم أيضًا.
وهكذا تتحول الجدولة من وسيلةٍ استثنائية لتنظيم السداد إلى غايةٍ في ذاتها، بينما يبقى صاحب الحق في مكانه ينتظر.
وليس اعتراض العاملين على تنظيم عملية السداد إذا اقتضتها الظروف، وإنما اعتراضهم على أن تصبح الجدولة بديلًا عن الوفاء، والوعود بديلًا عن الحقوق، والتسويف سياسةً دائمة لإدارة الأزمة.
فالمعلم لم يطالب بجدولٍ زمني جديد، وإنما طالب بحقوقٍ استحقت منذ سنوات.
والجدولة لا تدفع إيجار المنزل، ولا تسدد الرسوم الدراسية، ولا تشتري دواءً لمريض، ولا توفر قوت أسرة أنهكها الغلاء.
إنها، في نهاية المطاف، وعدٌ جديد يُضاف إلى سجلٍ طويل من الوعود التي لم يجنِ منها العاملون سوى مزيدٍ من الانتظار.
لقد سمع المعلمون كثيرًا عن البرمجة، والجدولة، والتوجيهات، والتوصيات، والتسهيلات، حتى فقدت هذه المفردات معناها الحقيقي.
فما يحتاجه العامل اليوم ليس بيانًا جديدًا، ولا تصريحًا أكثر بلاغة، وإنما موعدًا واضحًا ومُلزمًا لصرف مستحقاته، يليه تنفيذٌ فعلي على أرض الواقع.
ولهذا، فإن العاملين في ولاية الجزيرة لم يعودوا يطلبون بياناتٍ جديدة، ولا خطاباتٍ منمقة عن التنمية والإعمار، وإنما يطلبون أمرًا واحدًا بالغ البساطة: أن تتحول الكلمات إلى أفعال، والوعود إلى حقوق، والجداول إلى أموال تُصرف في مواعيدها.
أما إذا كان المطلوب منهم أن يحتفلوا بمجرد إدراج حقوقهم في جدولٍ جديد، فإن المثل الشعبي السوداني يختصر المشهد كله: “عيش يا حمار… لما تقوم النجيلة.”
لقد ملَّ المعلمون انتظار “الفارغة المقدودة”، ولم تعد تنطلي عليهم لغة التسويف التي تتبدل ألفاظها بينما يبقى مضمونها واحدًا.
فالأزمة اليوم ليست في نقص الوعود، وإنما في فائضها، وليست في غياب الجداول، وإنما في غياب الإرادة السياسية والإدارية التي تُعيد الحقوق إلى أصحابها.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.