حشد الكتل النقابية والأجسام المطلبية لمواجهة الإخوان المسلمين

تيسير المبارك

تشهد الساحة السودانية مرحلة بالغة الحساسية والتعقيد في ظل استمرار الحرب وتداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي ظروف تتيح لمختلف القوى السياسية إعادة ترتيب أوراقها ومحاولة التكيف مع الواقع الجديد. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تبرز الحاجة إلى دور أكثر فاعلية للكتل النقابية والأجسام المطلبية ومنظمات المجتمع المدني في حماية مكتسبات الحراك الشعبي والدفاع عن مشروع الدولة المدنية الديمقراطية التي نادى بها السودانيون لعقود طويلة.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن النقابات المهنية والعمالية كانت دائماً من أبرز أدوات التغيير السلمي ومراكز الوعي الوطني. فمن ثورتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985 وصولاً إلى ثورة ديسمبر 2018، لعبت التنظيمات النقابية دوراً محورياً في التعبئة الجماهيرية والدفاع عن الحقوق والحريات ومقاومة الأنظمة الشمولية. ولذلك فإن إعادة بناء هذه الأجسام على أسس ديمقراطية ومستقلة تمثل اليوم ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن أي مسار سياسي آخر.
ويعتقد كثير من المراقبين أن تيار الإخوان المسلمين، رغم ما تعرض له من تراجع سياسي خلال السنوات الماضية، لا يزال يحتفظ بشبكات تنظيمية وقدرات على المناورة داخل بعض مؤسسات الدولة والمجتمع. كما أن حالة السيولة السياسية التي تعيشها البلاد قد تفتح المجال أمام محاولات إعادة التموضع والعودة إلى المشهد عبر تحالفات جديدة أو واجهات مختلفة. ومن هنا تبرز أهمية وجود قوى نقابية ومطلبية قوية قادرة على مراقبة المشهد والدفاع عن التحول الديمقراطي ومنع إعادة إنتاج التجارب التي ارتبطت بالاستبداد والإقصاء.
غير أن مواجهة أي مشروع سياسي لا ينبغي أن تتم بمنطق الإقصاء أو الانتقام، وإنما عبر ترسيخ قواعد الديمقراطية والشفافية وسيادة القانون. فالقوة الحقيقية للنقابات والأجسام المطلبية لا تكمن في تبني خطاب المواجهة المباشرة، وإنما في قدرتها على تنظيم المواطنين حول قضايا المعيشة والحقوق والخدمات والعدالة الاجتماعية، بما يعزز مناعة المجتمع ضد محاولات استغلال الأزمات لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة.
كما أن توحيد جهود المعلمين والأطباء والمهندسين والعمال والمزارعين والموظفين وغيرهم من أصحاب المصلحة في إطار جبهة مطلبية واسعة يمكن أن يسهم في خلق توازن حقيقي داخل المجال العام. فكلما كانت هذه الأجسام مستقلة وفاعلة ومتصلة بقواعدها، تقلصت فرص احتكار العمل العام من قبل أي تيار سياسي أو أيديولوجي مهما كانت قدراته التنظيمية.
إن السودان اليوم في حاجة إلى مشروع وطني جامع يؤسس لدولة المواطنة والمؤسسات، دولة لا تقوم على التمكين الحزبي أو الهيمنة الأيديولوجية، بل على الكفاءة والعدالة والمشاركة المتساوية. وتحقيق هذا الهدف يتطلب يقظة مستمرة من القوى المدنية والنقابية، ليس فقط لمنع عودة ممارسات الماضي، بل أيضاً لضمان ألا تتكرر الأخطاء التي قادت البلاد إلى أزماتها المتلاحقة.
وفي ظل التحديات الراهنة، فإن حشد الكتل النقابية والأجسام المطلبية حول أجندة ديمقراطية واضحة يمثل أحد أهم الضمانات لحماية المستقبل السياسي للسودان. فالمعركة الحقيقية ليست ضد فصيل بعينه، وإنما ضد الاستبداد أياً كان مصدره، وضد كل محاولة للالتفاف على تطلعات السودانيين في الحرية والسلام والعدالة وبناء دولة مدنية ديمقراطية تستوعب الجميع وتحكمها المؤسسات والقانون.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.