لسببين!!

صباح محمد الحسن

في الحالتين، فإن مقتل المعدّنين تقع مسؤوليته على السلطات السودانية، وصمتها يعني تقصيراً واضحاً، واستهانة بدماء المواطنين، ومحاولة لدفن القضية.
طيف أول:
للصمت الذي شُجّ ونزف ضجيجاً،
للبراءة التي سقطت في ساحات المكر
وللنور الذي ارتبك من زيف الشرفات.

واجتمع المجلس الانقلابي برئاسة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أمس لمناقشة القضايا الأمنية في البلاد، لكنه لم يشر إطلاقاً إلى جريمة قتل المعدّنين، رغم فظاعة الحادثة وموت عشرات المواطنين، وبالرغم من أنها كانت حديث الرأي العام
وقال البرهان إنه يطمئن المواطنين على قدرة القوات المسلحة والقوات المساندة لها على بسط الأمن والاستقرار في كافة ربوع السودان، لكنه دعاهم لعدم الانسياق وراء الإشاعات المغرضة التي تستهدف زعزعة أمنهم واستقرارهم.
وتجاوز البرهان للقضية يعني أنه لا يريد اتهام أي جهة خارجية، وهو بذلك يتجنب الحديث عن الاختراق الأمني للبلاد، وعدم فتح ملف التعدين لارتباطه بالشركات النافذة والمصالح المشتركة، مع التركيز على سردية واحدة هي إدانة الدعم السريع.
وكان تحالف (تأسيس) قد قال في بيان له إن منطقتي شمال الوادي والأنصاري داخل الأراضي السودانية تعرضتا لهجوم مباغت لليوم الثاني على التوالي، متهماً الطائرات المصرية بتنفيذه. وأشار أحمد تقد لسان، الناطق باسم “تأسيس”، إلى سقوط المئات من المعدّنين السودانيين بين قتيل وجريح، مضيفاً أن أعداداً كبيرة ما زالت تحت أنقاض آبار التعدين، ومن المتوقع ارتفاع عدد الضحايا والمصابين العالقين في الجبال والوديان القاحلة.
واعتبر التحالف الهجوم استمراراً للانتهاك المصري لسيادة السودان وسلامة أراضيه وشعبه، من أجل الاستفادة من موارد البلاد. وقال إن تغلغل الجيش المصري في الأراضي السودانية واستباحة دماء السودانيين يتم بالتنسيق مع القوات المسلحة السودانية. ودعا المجتمع الدولي والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان إلى رصد ومتابعة الانتهاكات الجسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني، والعمل على كبح جماح الأطماع المصرية ودورها المدمّر في السودان.
ولكن، بالمقابل، لم تصدر حكومة بورتسودان حتى كتابة هذه الحروف أي تصريح رسمي أو بيان مشترك من الحكومتين السودانية أو المصرية يؤكد أو ينفي تفاصيل هذا الاعتداء الخارجي بشكل قاطع.
وإن لم تستطع السلطة الانقلابية إثبات هذا الاتهام أو نفيه، وعجزت عن الحديث عن القضية، فلماذا لم تصدر الحكومة بياناً تترحم فيه على أرواح الشهداء، فمن العار أن يُقتل المواطنون في أراضيهم وتلتزم الحكومة الصمت تجاههم.
وصمت الحكومة لا يُفسَّر إلا لسببين:
الأول: أن الحكومة تعلم أن الطيران المصري قام بقصف المواطنين السودانيين وأن عشرات المعدّنين قُتلوا، لكنها لا تستطيع توجيه الاتهام إلى مصر.
الثاني: أن البرهان يعلم أن طيران الداخل هو الذي قصف المواطنين، الطيران الذي تديره غرف الحرب داخل السودان، وأن هذه الغرف –كما ذكرنا بالأمس أرادت توريط مصر في الميدان بعد التقارب الذي جمع بين أبوظبي والقاهرة.
وفي الحالتين، فإن مقتل المعدّنين تقع مسؤوليته على السلطات السودانية، مما يعني تقصيراً حكومياً واضحاً، واستهانة بدماء المواطنين، ومحاولة لدفن القضية.
فالحكومة السودانية لا بد أن تخرج عن صمتها لتوضح موقفها من جريمة قتل المعدّنين، فدماء المواطنين ليست ملفاً يمكن تجاهله كما تتجاهل كثيراً من القضايا. ولا بد من فتح تحقيق عاجل يحدد الجهة المنفذة، ويضع الحقائق أمام الشعب بشفافية كاملة.
والحكومة عليها حماية المواطنين، سواء جاء الخطر من طيران الداخل أو من خارج الحدود، فالدولة التي تعجز عن حماية شعبها تفقد أهم مبررات وجودها. فحماية أرواح السودانيين ليست خياراً سياسياً، بل واجب دستوري وأخلاقي، وعلى السلطات أن تتحمل مسؤولية عدم وقف استهداف المدنيين والمعدّنين في كل مناطق البلاد.
فواجب الحكومة في حماية مواطنيها لا يسقط بالحرب ولا بالظروف، ومن حق الشعب أن يعرف من استهدف أبناءه ومن يقف وراء هذه الجريمة. ولا شك أن استمرار الحرب هو الذي يفتح الباب أمام هذه الجرائم، وما لم تتوقف الحرب ستظل أرواح السودانيين مهددة في كل مكان. فلا يمكن حماية المواطنين في ظل حرب مفتوحة، والسلام هو الطريق الوحيد لوقف نزيف الدم وإعادة الأمن للبلاد.
فالحكومة السودانية يجب أن تعرف ماهي الجهة التي اخترقت حدودها، ومن دخل أجواءها، ومن استهدف أبناءها في مناطق التعدين او تبقى هي من قصفت المواطنين بطيرانها لاخيار ثالث
وصمت الحكومة عن البيان الرسمي هو الذي جعل الصمت اللغة السائدة في إدانة ما حدث، لعدم وجود دليل رسمي يثبت تورط مصر، ولذلك تتجنب الكيانات والأحزاب السياسية إصدار بيانات حتى لا تقع في فخ الاتهام المباشر دون دليل.
فصمت الحكومة يساهم فعلياً وبصورة مباشرة في طمس الحقائق، لأن الصمت في حد ذاته يصبح شكلاً من أشكال التواطؤ غير المباشر.
طيف أخير:
#لا_للحرب
أليس هناك مستشار إعلامي للسيد رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس يساعده على ضبط خطابه السياسي؟
فقد أصبح حديثه مدعاة للسخرية لأنه يتحدث باسم المواطن الذي يطالب بأبسط حقوقه من الحكومة!!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.