منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، ظل سؤالٌ ملحٌّ يفرض نفسه: من يملك القرار الحقيقي؟ وهل ما يجري مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش والدعم السريع، أم أن هناك قوى سياسية وعقائدية تدير المشهد من خلف الستار؟
عندما أطاحت ثورة ديسمبر بنظام الإنقاذ، بدا وكأن المشروع الإسلامي الذي حكم السودان لثلاثة عقود قد وصل إلى نهايته السياسية. فقد خرج الثوار إلى الشوارع مطالبين بالحرية والسلام والعدالة والحكم المدني، وحمّلوا الإسلاميين مسؤولية ما آلت إليه البلاد من أزمات اقتصادية وحروب وانقسامات. غير أن السنوات التي أعقبت سقوط النظام أثبتت أن خروج الإسلاميين من السلطة لا يعني بالضرورة خروجهم من مراكز النفوذ والتأثير.
ومع اندلاع الحرب الحالية، برزت مؤشرات عديدة على عودة الإسلاميين إلى واجهة صناعة القرار داخل مؤسسات الدولة، مستفيدين من حالة الاستقطاب الحاد والخطر الوجودي الذي واجهه الجيش. وبمرور الوقت، أصبح تأثيرهم واضحاً في الخطاب السياسي والإعلامي، وفي طريقة إدارة الحرب، بل وحتى في التعامل مع المبادرات الإقليمية والدولية الساعية إلى وقف القتال.
لقد شهدت الحرب عشرات المبادرات التي طرحتها دول ومنظمات إقليمية ودولية، بدءاً من منبر جدة، مروراً بمبادرات الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيغاد، وغيرها من المساعي الرامية إلى الوصول لوقف إطلاق النار وفتح الطريق أمام تسوية سياسية شاملة. إلا أن معظم هذه المبادرات تعثر أو فشل في تحقيق اختراق حقيقي.
ويرى كثير من المراقبين أن أحد أسباب هذا التعثر يتمثل في نفوذ التيار الإسلامي داخل دوائر القرار، حيث ينظر هذا التيار إلى أي تسوية سياسية شاملة باعتبارها تهديداً مباشراً لفرص عودته إلى المشهد السياسي. ولذلك ظل الخيار العسكري يحظى بالأولوية على حساب الحلول التفاوضية، رغم الكلفة الإنسانية الباهظة التي يدفعها الشعب السوداني يوماً بعد يوم.
كما أن الخطاب الذي ساد خلال الحرب ركّز بصورة كبيرة على الحسم العسكري، وعلى شيطنة كل الأصوات الداعية إلى التسوية، مما أدى إلى تضييق المساحة أمام المبادرات السياسية وتعميق حالة الاستقطاب داخل المجتمع السوداني. وأصبح كل حديث عن السلام أو التفاوض يُقابل أحياناً بالتشكيك والتخوين، الأمر الذي أضعف فرص الوصول إلى حلول وسط يمكن أن توقف نزيف الدم.
وفي الوقت الذي كانت فيه البلاد بحاجة إلى توافق وطني واسع يضع مصلحة السودان فوق الحسابات الحزبية والأيديولوجية، بدت بعض القوى وكأنها تنظر إلى الحرب باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي واستعادة مواقع فقدتها بعد ثورة ديسمبر. وهنا تكمن خطورة استمرار الصراع، إذ يتحول الوطن إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية، بينما يدفع المواطن الثمن من أمنه واستقراره ومستقبل أبنائه.
إن التجربة السودانية أثبتت مراراً أن احتكار القرار من قبل أي تيار سياسي لا يقود إلا إلى مزيد من الأزمات، كما أثبتت أن الحروب، مهما طالت، لا يمكن أن تكون بديلاً للحلول السياسية. فالسودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جامع يعترف بتنوع مكوناته، ويضع حداً لهيمنة الأيديولوجيا على مؤسسات الدولة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر السودانيون إجابته: هل ستظل الحرب أداة لإعادة إنتاج القوى التي أسقطتها الثورة، أم أن إرادة الشعب ستنجح في فرض مسار جديد يقوم على السلام والعدالة والدولة المدنية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مصير الحرب الحالية فحسب، بل ستحدد أيضاً شكل السودان لعقود قادمة.
غداً يوم جديد
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.