الدولار يقفز إلى 5200 جنيه.. وحكومة بورتسودان تكتفي بالمشاهدة

سيف الدولة كمال

في الوقت الذي يواصل فيه الجنيه السوداني انهياره بوتيرة غير مسبوقة، قفز سعر الدولار الأمريكي إلى حدود 5200 جنيه في السوق الموازية، في مشهد يعكس حجم الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، ويكشف في الوقت ذاته حالة العجز والشلل التي أصابت حكومة بورتسودان، والتي تبدو وكأنها فقدت القدرة على إدارة الاقتصاد أو حتى تقديم تفسير مقنع لما يجري.
لم يعد ارتفاع سعر الدولار مجرد رقم يتداوله المتعاملون في الأسواق، بل تحول إلى كارثة يومية تطحن المواطنين. فكل قفزة جديدة في أسعار العملات الأجنبية تعني تلقائياً ارتفاع أسعار السلع الأساسية والدواء والوقود وتكاليف النقل والخدمات. المواطن السوداني الذي أنهكته الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل يجد نفسه اليوم أمام موجة جديدة من الغلاء لا يملك أي وسيلة لمواجهتها، بينما تتسع دائرة الفقر والجوع بصورة تنذر بعواقب اجتماعية خطيرة.
المثير للدهشة أن الحكومة لا تزال تتعامل مع الأزمة بعقلية البيانات الإنشائية والتصريحات العامة، دون أن تطرح برنامجاً اقتصادياً واضحاً أو إجراءات حقيقية لاستعادة الثقة في العملة الوطنية. فمنذ اندلاع الحرب تراجعت الصادرات، وتوقفت قطاعات إنتاجية واسعة، وانخفضت الإيرادات العامة، فيما استمرت عمليات الإنفاق الحكومي بلا ضوابط واضحة. وفي ظل غياب الاستقرار السياسي والأمني، أصبح الاقتصاد رهينة للمضاربات والأسواق غير الرسمية التي باتت تحدد قيمة الجنيه ومستقبل معيشة الملايين.
ولا يمكن فصل هذا الانهيار الاقتصادي عن استمرار الحرب التي تلتهم ما تبقى من موارد الدولة. فكل يوم إضافي من القتال يعني مزيداً من الدمار وتراجع الإنتاج وهروب الاستثمارات وانكماش النشاط التجاري. ومع ذلك، لا تزال بعض القوى المتنفذة داخل السلطة تتعامل مع الحرب باعتبارها أولوية مطلقة، بينما يتم تجاهل التداعيات الاقتصادية والإنسانية الكارثية التي يدفع ثمنها المواطن البسيط.
إن وصول الدولار إلى 5200 جنيه ليس مجرد مؤشر اقتصادي سلبي، بل إعلان واضح عن فشل السياسات القائمة وعجز المؤسسات الرسمية عن القيام بواجباتها. فالدولة التي تعجز عن حماية عملتها الوطنية تفقد تدريجياً قدرتها على حماية مواطنيها وتأمين احتياجاتهم الأساسية. والأخطر من ذلك أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى انهيار أوسع في منظومة الخدمات والأسواق، ويضع البلاد أمام واقع أكثر قسوة وتعقيداً.
اليوم، لم يعد السودانيون بحاجة إلى مزيد من الوعود أو التبريرات، بل إلى قرارات جريئة توقف النزيف الاقتصادي وتضع حداً للحرب التي أصبحت السبب الرئيسي لكل هذا الخراب. أما استمرار الصمت الرسمي والتعامل مع الأزمة بمنطق الانتظار، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من التدهور، ومزيد من المعاناة لشعب يدفع منذ سنوات فاتورة أخطاء لم يكن طرفاً فيها. فبين دولار يواصل التحليق وجنيه يواصل السقوط، تقف حكومة بورتسودان عاجزة، تاركة المواطنين وحدهم في مواجهة واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخ السودان.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.