المعلمون.. مدرسة النضال وقلعة الصمود

تيسير المبارك

مرة أخرى، تلجأ بعض الأجهزة الأمنية والإدارية إلى لغة التهديد والوعيد في مواجهة المعلمين المضربين عن العمل، وكأن أزمة التعليم يمكن حلها بالضغوط والتخويف بدلاً من معالجة الأسباب الحقيقية التي دفعت آلاف المعلمين إلى الاحتجاج. غير أن التجارب أثبتت أن هذه الأساليب لم تنجح يوماً في كسر إرادة المعلمين، ولن تنجح اليوم، لأن من يقف في الصفوف الأمامية للدفاع عن حقوقه وكرامته المهنية ليس فئة عابرة، بل شريحة ظلت لعقود تمثل ضمير المجتمع وعقله التربوي.
لقد تحمل المعلم السوداني ما لم تتحمله فئات كثيرة. عمل في ظروف بالغة القسوة، وصبر على تدني الأجور وتراجع الخدمات وغياب البيئة التعليمية المناسبة، وظل يؤدي رسالته رغم الأزمات الاقتصادية والحروب والانهيارات التي عصفت بالبلاد. لكن الوصول إلى مرحلة الإضراب لم يكن خياراً سهلاً أو رغبة في تعطيل العملية التعليمية، بل جاء بعد سنوات طويلة من التجاهل والتسويف وعدم الاستجابة للمطالب المشروعة التي تتعلق بتحسين الأوضاع المعيشية والمهنية للمعلمين.
إن التهديد بالفصل أو النقل أو اتخاذ إجراءات إدارية وأمنية ضد المعلمين لا يعالج جوهر الأزمة، بل يكشف عن عجز الجهات المسؤولة عن إيجاد حلول حقيقية. فالمعلم الذي يعجز راتبه عن توفير الحد الأدنى من احتياجات أسرته، والذي يواجه ارتفاعاً جنونياً في الأسعار وتدهوراً مستمراً في قيمة العملة الوطنية، لا يمكن إقناعه بالعودة إلى عمله عبر التهديد. الحقوق لا تُصادر بالقرارات الإدارية، والكرامة المهنية لا تُلغى بالمذكرات والتوجيهات.
لقد أثبت المعلمون عبر تاريخ السودان أنهم مدرسة للنضال السلمي وقلعة للصمود الوطني. كانوا دائماً في مقدمة القوى التي دافعت عن قضايا العدالة والحرية والحقوق المشروعة، وساهموا في بناء الوعي الوطني وترسيخ قيم المواطنة. ولذلك فإن استهدافهم أو محاولة تصوير مطالبهم باعتبارها خروجاً على الواجب المهني يمثل ظلماً كبيراً لهذه الفئة التي أسهمت في صناعة أجيال متعاقبة من الأطباء والمهندسين والقضاة والضباط والقيادات الوطنية.
والحقيقة التي يجب أن تدركها السلطات هي أن الأزمة ليست بين المعلمين والدولة، بل بين واقع معيشي خانق وحقوق مؤجلة منذ سنوات. فبدلاً من توجيه الجهود نحو التضييق على المعلمين، ينبغي البحث عن حلول جادة تعيد الاعتبار لمهنة التعليم وتوفر حياة كريمة لمن يحملون على عاتقهم مسؤولية بناء الإنسان السوداني. فالتعليم لا ينهض في ظل الفقر، والمدارس لا تستقر في ظل الإحباط، والمعلم لا يستطيع أداء رسالته وهو منشغل يومياً بتأمين لقمة العيش.
سيبقى المعلمون، كما كانوا دائماً، عنواناً للصبر والكبرياء المهني، وستظل إرادتهم أقوى من محاولات الترهيب والضغوط. فالمعلم الذي يعلّم الأجيال معنى الكرامة والحق لا يمكن أن يتخلى عنهما عندما يتعلق الأمر بحقوقه المشروعة. والتاريخ السوداني مليء بالشواهد التي تؤكد أن أصحاب الرسالات لا تنكسر إرادتهم بسهولة، وأن قلعة الصمود التي بناها المعلمون عبر عقود طويلة لن تهزها قرارات متعجلة أو تهديدات عابرة، بل ستظل شاهدة على أن الحقوق تُنتزع بالحوار والعدالة، لا بالخوف والإكراه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.