أثار إعلان قائد كتائب البراء بن مالك، المصباح أبو زيد طلحة، عزمه زيارة مخيم كيرياندونغو للاجئين السودانيين في أوغندا، موجة غضب عارمة وسط اللاجئين السودانيين الذين رأوا في الخطوة استفزازاً لمشاعر آلاف الأسر التي فرت من أتون الحرب بحثاً عن الأمان والاستقرار. فالمخيم الذي تحول إلى ملاذ للنساء والأطفال وكبار السن والمرضى، ليس ساحة سياسية ولا منصة عسكرية، بل مساحة إنسانية نشأت أصلاً بسبب الحرب التي ساهمت القوى المسلحة المختلفة في إطالة أمدها وتعميق مآسيها.
اللاجئون الذين فقدوا منازلهم وممتلكاتهم وأعمالهم وأقاربهم لم يهربوا من السودان ليجدوا أنفسهم أمام وجوه الحرب ذاتها وهي تطاردهم إلى أماكن اللجوء. كثيرون داخل المخيم ينظرون إلى أي محاولة لربط أوضاعهم الإنسانية بأجندات عسكرية أو سياسية باعتبارها تجاوزاً خطيراً لخصوصية اللجوء وانتهاكاً للغرض الذي أنشئت من أجله هذه المخيمات. فالمخيمات ليست ساحات للاستعراض ولا منصات للدعاية ولا ميادين لاستقطاب الشباب وإعادة تعبئتهم نفسياً وعسكرياً.
الأخطر من ذلك أن مثل هذه الزيارات تثير مخاوف حقيقية بشأن استغلال أوضاع اللاجئين الاقتصادية والإنسانية الصعبة لأغراض تتجاوز العمل الإنساني. فالآلاف من الشباب داخل المخيمات يعيشون ظروفاً قاسية، ويعانون من البطالة وانعدام الفرص وضبابية المستقبل. وفي مثل هذه البيئات الهشة يصبح أي خطاب تعبوي أو عسكري مصدر قلق مشروع للمنظمات الإنسانية والجهات المستضيفة التي تعمل منذ سنوات على حماية اللاجئين من آثار الصراعات التي أجبرتهم على مغادرة بلادهم.
إن اللاجئين السودانيين في كيرياندونغو لا يحتاجون إلى خطابات الحرب، بل إلى الغذاء والتعليم والرعاية الصحية وفرص الحياة الكريمة. لا يحتاجون إلى من يذكرهم بأصوات الرصاص التي فروا منها، بل إلى من يساعدهم على تضميد جراحهم النفسية والاجتماعية. أما تحويل المخيمات إلى امتداد للصراع السوداني فهو أمر يهدد أمن اللاجئين واستقرار المجتمعات المستضيفة، ويفتح الباب أمام توترات لا تخدم أحداً.
من حق اللاجئين أن يغضبوا. ومن حقهم أن يرفضوا أي محاولة لجرهم مجدداً إلى معركة دفعوا ثمنها الأكبر. فبين خيام كيرياندونغو يعيش أناس فقدوا كل شيء تقريباً، ولم يتبق لهم سوى أمل ضعيف في مستقبل أفضل. ومن الواجب احترام هذا الأمل لا مصادرته، وحماية هذه المساحات الإنسانية من كل أشكال التسييس والعسكرة والاستقطاب.
لقد آن الأوان لأن تدرك الأطراف المتورطة في الحرب أن هناك حدوداً أخلاقية وإنسانية لا ينبغي تجاوزها. ومخيمات اللاجئين تأتي في مقدمة هذه الحدود. فحين تصبح أماكن اللجوء مسرحاً لتحركات قادة الحرب وخطاباتهم، فإن ذلك يعني أن الحرب لم تعد تكتفي بتدمير المدن والقرى، بل أصبحت تلاحق ضحاياها حتى في المنافي ومخيمات النزوح. وهذا أمر يجب رفضه بوضوح وحزم، دفاعاً عن حق اللاجئين في الأمان والحياد والعيش بعيداً عن الصراع الذي اقتلعهم من وطنهم.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.