لم يعد الحديث عن تردي الخدمات في السودان خبراً جديداً أو استثناءً عابراً، بل أصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية لملايين المواطنين. فمن الخرطوم التي تحاول النهوض من تحت ركام الحرب، إلى بورتسودان التي تحولت إلى مركز إداري وسياسي للبلاد، تتكرر الشكاوى ذاتها: انقطاع متواصل للكهرباء، أزمات مياه لا تنتهي، ارتفاع جنوني في الأسعار، وتراجع مستمر في مستوى الخدمات الأساسية التي يفترض أن تكون من أبسط حقوق المواطنين.
في الخرطوم، لا تزال آثار الحرب تلقي بظلالها الثقيلة على حياة السكان. أحياء واسعة تعاني من ضعف خدمات المياه والكهرباء، بينما تواجه الأسر تحديات يومية في الحصول على احتياجاتها الأساسية. ومع عودة أعداد من المواطنين إلى بعض المناطق، برزت أزمة البنية التحتية المتهالكة التي تضررت بفعل المعارك والإهمال، الأمر الذي جعل الحياة أكثر صعوبة في مدينة كانت يوماً القلب النابض للبلاد.
أما في بورتسودان، التي أصبحت مركزاً لمؤسسات السلطة خلال فترة الحرب، فقد كان كثيرون يتوقعون تحسناً نسبياً في الخدمات بحكم تركيز النشاط الحكومي فيها. لكن الواقع كشف عن أزمات متزايدة في الكهرباء والمياه وغلاء المعيشة. فالانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي أصبحت جزءاً من يوميات السكان، فيما تعاني أحياء عديدة من نقص المياه أو ارتفاع تكلفة الحصول عليها، بالتزامن مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات بصورة أثقلت كاهل الأسر.
ولم يعد تأثير هذه الأزمات يقتصر على الجانب الخدمي فحسب، بل امتد إلى مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية. فالكهرباء المنقطعة تعني تعطلاً للأعمال والمحال التجارية وورش الإنتاج، والمياه الشحيحة تعني أعباء إضافية على الأسر، بينما يؤدي الغلاء المتواصل إلى تآكل الدخول المحدودة وارتفاع معدلات الفقر. وفي ظل هذه الظروف، يجد المواطن نفسه في معركة يومية لتأمين احتياجاته الأساسية وسط غياب حلول جذرية للأزمات المتراكمة.
اللافت أن هذه المعاناة تتفاقم في وقت تتحدث فيه الجهات الرسمية عن خطط وبرامج لمعالجة الأوضاع الخدمية والاقتصادية. غير أن المواطن لا يقيس نجاح السياسات بالتصريحات والمؤتمرات، بل بما يراه في منزله وحيه وسوقه. وعندما تستمر الأزمات دون حلول ملموسة، تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الذي يعيشه الناس على الأرض.
ويرى اقتصاديون أن الحرب المستمرة واستنزاف الموارد العامة لعبا دوراً رئيسياً في تدهور الخدمات وارتفاع الأسعار. فمع تراجع الإيرادات وتوجيه جزء كبير من الموارد لمتطلبات الصراع، تقلصت قدرة الدولة على الاستثمار في البنية التحتية وتحسين الخدمات الأساسية. كما ساهمت الأزمات الاقتصادية وانخفاض قيمة العملة الوطنية في زيادة تكاليف التشغيل والإمداد، ما انعكس مباشرة على حياة المواطنين.
لكن مهما تعددت المبررات، تبقى الحقيقة واحدة: المواطن السوداني هو من يدفع الثمن الأكبر. فهو يواجه حرارة الصيف بلا كهرباء، ويبحث عن المياه في وقت يفترض أن تكون متاحة للجميع، ويكافح يومياً لمواكبة موجات الغلاء المتلاحقة. وبين الخرطوم وبورتسودان تتشابه المعاناة وإن اختلفت التفاصيل، ويظل السؤال مطروحاً: إلى متى تستمر الحياة بهذه القسوة؟
إن استعادة الاستقرار وتحسين الخدمات لم تعد مسألة رفاهية أو ملفاً يمكن تأجيله، بل أصبحت ضرورة ملحة للحفاظ على الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة. فالشعوب تستطيع تحمل الكثير في أوقات الأزمات، لكنها تحتاج في المقابل إلى أمل حقيقي وإجراءات ملموسة تخفف عنها أعباء الواقع. أما استمرار التدهور في الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الضيق والإحباط في بلد أنهكته الحرب وأثقلته الأزمات المتلاحقة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.