مقدمة: حوار الأشباح على حافة الهاوية
تأتي دعوة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لإطلاق ما يُسمى بـ “حوار سوداني-سوداني” داخلي وكأنها استنساخ بائس لتجارب تاريخية عفا عليها الزمن؛ فهي تذكر المتابع بـ “حوار الوثبة” الذي أطلقه النظام البائد عام 2014 لاحتواء الأزمات لا لحلها. فبين تراتيب إعلانية ومناورات سياسية تهدف إلى إعادة تدوير السلطة، وُلِد هذا الحوار ميتاً، محاصراً بتناقضات بنيوية ومؤسسية تعكس عمق الأزمة التي يعاني منها المشهد السوداني برمته، وسط حرب ضروس أكلت الأخضر واليابس وحولت البلاد إلى أكبر أزمة نزوح وجوع في العالم.
جغرافيا الوهم: أين سيقام الحوار؟ (الخرطوم أم نيالا؟)
يطرح التساؤل حول مكان انعقاد الحوار إشكاليات اللوجستيات والسيادة المفقودة؛ فالترويج بأن الحوار سيكون “من الداخل” وتحت المظلة الرسمية المتمحورة حول بورتسودان والخرطوم يتجاهل الواقع الجغرافي والديموغرافي المأزوم.
الخرطوم: التي تتخذها السلطة العسكرية واجهة لإدارة عملياتها وتصريحاتها السياسية، لم تعد العاصمة الآمنة أو المحايدة، بل هي مدينة ثكنات عسكرية وأنقاض مدمرة، ويُراد لها أن تكون منصة لشرعنة قرارات السلطة القائمة وكأن شيئاً لم يكن.
نيالا ومدن الهامش: بعيدة كل البعد عن حسابات هذا الحوار، بالرغم أن دارفور وكردفان تمثلان النبض الحقيقي لمعاناة الشعب، إلا أنهما خارج دائرة الفعل السياسي الحقيقي، ولا مكان فيهما لمثل هذه الديكورات السياسية المصنوعة في غرف القيادة بمعزل عن مآسي الملايين من النازحين واللاجئين.
إن حصر مكان الحوار في مناطق سيطرة الجيش أو تحت حراسته الأمنية والسياسية يعني مسبقاً رفض أي صفة تمثيلية حقيقية، وتحويل المؤتمر إلى مجرد منبر دعائي مغلق.
هندسة الإقصاء: من الذي سيشترك في الحوار؟
تستند الدعوة الحالية على مفارقة غريبة ومرفوضة وطنيا، وهي شعار “استبعاد من تلطخت أيديهم بدماء الشعب” بينما تثير هذه العبارة سخرية الشارع السوداني الذي يرى أن رأس السلطة العسكرية والقادة المتحكمين في مفاصل القرار هم المسؤولون الأوائل بحكم الأمر الواقع والقيادة عن الدم المراق والدمار الهائل.
المشاركون الفعليون: تحصر الترتيبات غير المعلنة المشاركة في كتل سياسية موالية، أو واجهات مجتمعية وإدارات أهلية تدور في فلك السلطة إضافة إلى محاولات استقطاب شخصيات مدنية عبر صكوك “العفو الرئاسي” المزعوم وإسقاط التهم الجنائية والسياسية.
المقاطعون والمستبعدون: في المقابل، تواجه المبادرة رفضاً قاطعاً من التحالفات المدنية الكبرى مثل تحالف “صمود” وعدد من القوى الوطنية والحزبية التي تعتبر أن أي حوار لا يضع قضية “وقف الحرب الفوري ورفع المعاناة الإنسانية وتفكيك دولة البندقية” على رأس أجندته هو مجرد محاولة لشرعنة الانقلاب وإعادة إنتاج الأزمة وتبييض صفحة العسكر.
علاقة العسكر بالسياسة: خطايا الدم وتلطخ الأيدي
إن المعضلة الكبرى في السودان تكمن في إصرار المؤسسة العسكرية على الجمع بين البندقية وكرسي الحكم؛ فالعسكر الذين حشروا أنفسهم في أتون السياسة منذ الاستقلال، وتصاعدت خطاياهم خلال سنوات الانتقال وما رافقها من قمع دموية وانقلابات، وصولاً إلى هذه الحرب الطاحنة لا يمكن أن يكونوا “خصماً وحكماً” في آن واحد.
تلطخ الأيدي: حين يتحدث الجنرالات عن دماء الشعب، تتساءل الجماهير عن المسؤول الحقيقي عن فض الاعتصامات، وعن جحيم الحرب الممتدة لأعوام والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف. إن تلطخ الأيدي ليس حكراً على طرف دون آخر في المعادلة العسكرية المسلحة، بل يمتد ليشمل كل من أدار ظهر لتطلعات الشعب السوداني في بناء دولة مدنية ديمقراطية خالصة تخرج فيها المؤسسة العسكرية نهائياً من المشهد السياسي والاقتصادي.
السياسة بوصفها غنيمة: إن محاولة العسكر هندسة الحوار الداخلي عبر شروط مسبقة ومنح “صكوك الغفران” للمعارضين تعكس فهماً قاصراً للعمل السياسي، وكأن السلطة مجرد غنيمة عسكرية يتم توزيع صكوكها لمن يرضخ لشروط المنتصر المؤقت.
حتمية الإخفاق وميلاد الوعي الجديد:
إن فشل حوار البرهان الداخلي محتوم، لأنه يقوم على أساس خاطئ: محاولة إنتاج تسوية فوقية تحمي مصالح الجنرالات وتحالفاتهم الحزبية الضيقة على حساب دماء الضحايا وخراب الوطن. لن يكتب لهذا الحوار النجاح طالما أنه يتجاوز الجوهر الحقيقي للأزمةالمتمثل في ضرورة إنهاء الحرب، إخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية الديمقراطية، وتحقيق عدالة انتقالية شاملة لا تفرط في حقوق الشهداء ولا تمنح الحصانة لقتلة الأوطان.
(الراكوبة)
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.