كيف وظفت “جماعة الإخوان” الإسلاموية لخدمة مشروعها السياسي؟

رشا عمار

يُمثّل الخلط المنهجي بين “الإسلام” كعقيدة روحية سماوية وجامعة، وبين “الإسلاموية” كإيديولوجيا سياسية حركية، المرتكز الأساسي الذي قامت عليه مشاريع تسييس الدين في العصر الحديث، فالإسلام، في جوهره التاريخي والروحي، هو رسالة سماوية أخلاقية، وقيم إنسانية عامة، وممارسات تعبدية تربط العبد بخالقه وتتسع للتعدد والتنوع والاجتهاد البشري عبر العصور.

أمّا الإسلاموية، فهي إيديولوجية سياسية نشأت في ظروف تاريخية وسياقات أمنية محددة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كخطاب احتجاجي وردّ فعل مباشر على تراجع الإمبراطوريات الإسلامية التقليدية، وصدمة الاستعمار الغربي، واللقاء المرتبك مع الحداثة الغربية وتحدياتها الفكرية والمادية.

وتقوم الأطروحة الإسلاموية في جوهرها على إعادة صياغة كاملة للإسلام؛ حيث لا تقدمه في المقام الأول كدين روحي يتطلع للآخرة ويهتم بتزكية النفس، بل كبرنامج سياسي واقتصادي شمولي معني بانتزاع السلطة وإقامة الدولة.

ويصر دعاة هذا التيار على صبغ الإسلام بصبغة تنظيمية تدّعي أنّه ليس مجرد دين وعقيدة، بل هو نظام شامل يحكم تفاصيل السياسة والقانون والمجتمع والدولة بصورة قسرية. ومن خلال عملية “الأدلجة المنهجية”، يتم تحويل عناصر الدين وشعائره ومفاهيمه التعبدية الراقية إلى أدوات صراع سياسي ووسائل للحشد التعبوي، ممّا يعيد تعريف الإسلام نفسه وتجريده من بعده الأخلاقي والروحي الكوني لخدمة أهداف حزبية ضيقة وسلطوية عابرة للحدود.

حسن البنا وميكانيكا التنظيم الشمولي

تُجمع الدراسات السياسية والتاريخية المعاصرة على أنّ جماعة الإخوان المسلمين، التي أسسها حسن البنا في مصر عام 1928، هي المروّج والمهندس الأول لتوطين هذه العقيدة الإسلاموية وتحويلها إلى حركة منظمة، وقد نجح البنا في ابتكار صيغة تنظيمية فريدة تدمج بين التدين الشعبي المنظم وبين النشاط السياسي المكثف وشبه العسكري، معلناً في أدبياته ورسائله التأسيسية أنّ الإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، وخلق وقوة، وقانون وقضاء، مستخدماً هذه الشمولية المفتعلة كأداة لاختراق مفاصل المجتمع وتبرير الهيمنة على كافة مجالات الحياة العامة والشخصية للأفراد.

ولم يكن نموذج البنا مجرد جمعية دعوية تقليدية، بل كان بمثابة “النموذج الأولي” للمنظمات الشمولية التي اجتاحت العالم العربي والإسلامي لاحقاً؛ إذ فرض التنظيم على أعضائه طاعة مطلقة تحت لافتة “السمع والطاعة في المنشط والمكره”، وحوّل التدين العفوي للمصريين إلى طاقة حركية مسيسة تسعى لبناء جيل يعتقد أنّ مصلحة التنظيم وبقاءه هما مرادفان بالضرورة لحفظ الدين وإقامة شرع الله على الأرض. هذا الربط المقدس بين الأداة التنظيمية وبين الإرادة الإلهية مثّل قمة التوظيف البراغماتي للإسلاموية، حيث حلت “الصنمية التنظيمية” تدريجياً محل المقاصد الأخلاقية الكبرى للدين.

سيد قطب وعقيدة الصدام وجاهلية المجتمعات

بوصول حركة الإخوان إلى منتصف القرن العشرين واصطدام مشروعها مع الدولة الوطنية الحديثة الناشئة عقب ثورة يوليو 1952، شهدت الإيديولوجية الإسلاموية عملية راديكالية وتثويرية حادة على يد المُنظّر الأبرز للجماعة سيد قطب. فقد صاغ قطب في كتابه الأشهر “معالم في الطريق” الصادر عام 1964 المرتكزات الفكرية التي نقلت التنظيم من طور “التمكين الناعم” والتغلغل الاجتماعي إلى طور “الصدام المسلح والمفاصلة الشعورية” مع الدولة والمجتمع برمتها.

وجادل قطب في أطروحته الراديكالية بأنّ المجتمعات الإسلامية المعاصرة قد سقطت بالكامل في وهدة “الجاهلية”، وهي حالة من الجهل والفساد والشرك العملي تشبه العصر الجاهلي ما قبل الإسلام، نظراً لقبولها بالقوانين الوضعية والمواطنة الحديثة بدلاً من “الحاكمية المطلقة لله”، وبموجب هذا التكفير الممنهج للمجتمعات والدول، أعلن قطب أنّ “الطليعة الثورية المسلحة” وحدها هي المؤهلة والمفوضة لاستعادة السيادة الإلهية المغتصبة وإسقاط النظم القائمة، ومثلت هذه الأطروحة المبرر الفكري والشرعي لكافة ممارسات العنف والإكراه اللاحقة، عبر إعادة صياغة مفهوم “الجهاد” وتحويله من دفع للعدوان الخارجي والدفاع عن الأوطان إلى عقيدة قتالية وصراع سياسي داخلي يستهدف الاستيلاء على السلطة بالقوة الغاشمة وتفكيك تماسك المجتمعات.

عولمة المشروع الإخواني: من لاهوت المودودي إلى براغماتية القرضاوي

لم يكن لمشروع الإخوان المسلمين وتوظيفهم للإسلاموية أن يمتد ويتحول إلى ظاهرة عابرة للقارات لولا التلاقح الفكري والتكامل المنهجي مع مفكرين موازين في الساحات الإقليمية الأخرى، ففي شبه القارة الهندية وجنوب آسيا، وضع أبو الأعلى المودودي الأسس الفكرية الأولى لنظرية “الحاكمية” وتكفير النظم الدستورية الحديثة، وهي الأفكار التي استوردها قطب وركّب عليها أطروحته الصدامية في مصر.

هذا التكامل الفكري ضمن للمشروع الإخواني لغة خطاب موحدة عابرة للقوميات والحدود السياسية، وقدّم لاهوتاً سياسياً مشتركاً لشبكات الإسلام الحركي في مختلف بقاع الأرض.

وفي مرحلة لاحقة من عمر التنظيم الدولي، تولى يوسف القرضاوي مهمة “التقنين الفقهي والبراغماتي” لهذه التطلعات السياسية؛ حيث عمل على نقل الخطاب الإخواني من طور الصدام القاسي المكشوف إلى طور المناورة السياسية والشرعنة الفقهية للتغلغل داخل المؤسسات المدنية في الغرب والشرق على حد سواء.

وسخّر القرضاوي الفقه الإسلامي وأدوات الاجتهاد لصياغة فتاوى استثنائية (مثل فقه الأقليات وفقه التمكين) تبرر للجماعة التحالف مع القوى الدولية والتسلل الهادئ للمجتمعات الغربية وبناء واجهاتها الاقتصادية والبحثية، ممّا وفر للمشروع الإخواني مظلة تمويلية ودبلوماسية دولية واسعة تضمن بقاءه واستمراريته الوجودية رغم الضربات الأمنية المتلاحقة التي تلقاها في معاقله التقليدية.

نهاية مراهنات الأدلجة وانتصار الدولة الوطنية

تثبت القراءة المعمقة للمسار التاريخي والإيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين أنّ توظيف الإسلاموية لخدمة مأربها السياسية كان بمثابة عملية “تجرير واختطاف معرفي” لرسالة الإسلام السامية؛ حيث استبدلت الجماعة البُعد الأخلاقي والروحي الكوني للدين بمتطلبات البيروقراطية التنظيمية ومعارك الاستيلاء على السلطة والتحريض على العنف والانقسام المجتمعي.

ومع حلول النصف الثاني من العقد الثالث للقرن الحادي والعشرين، تبدو معالم تهاوي هذا المشروع واضحة وجلية أكثر من أيّ وقت مضى؛ إذ استعادت الدولة الوطنية الحديثة هيبتها وسيادتها الفكرية، وتزايد وعي المجتمعات العربية والمسلمة بالفرق الهائل بين تدينها الفطري السليم وبين الإسلاموية الحركية الشمولية التي تسعى لتوظيف العقائد كأدوات للصراع والسلطة.

نهاية مراهنات الأدلجة تؤكد أنّ الدين يظل ثابتاً روحياً وأخلاقياً يتسع للجميع، بينما الإسلاموية تظل إيديولوجيا سياسية عابرة ومنقضية، لم تترك خلفها سوى الفشل التنظيمي والتصدع الفكري الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة في زوايا التاريخ.
(حفريات)

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.