رمتني بدائها… ثم جاءت تعزيني!

الصادق حمدين

ما أكثر ما يُدهش المرء أن يرى من أشعل النار يتقدم الصفوف حاملاً دلواً من الماء، ثم يطالب الناس بالتصفيق له لأنه شارك في إطفاء الحريق.
هذا هو المشهد الذي تقدمه قبيلة بني كوز هذه الأيام عبر المقاطع المصورة التي يملأون بها الفضاء الإعلامي؛ يتحدثون عن انتصاراتهم على الدعم السريع، ويصبون عليه جام غضبهم، ويعلقون في عنقه كل ما أصاب السودان من خراب ودمار، وكأنهم كانوا، منذ البداية، خارج المشهد، لا صناعاً له ولا شركاء فيه ولا مطبل له باعتباره حامي حمى الحرائر من أخوات نسيبة.
إنها محاولة بائسة لإعادة كتابة التاريخ بحبر الاستهبال وقراطيس الفهلوة، لكنها تصطدم بذاكرة شعب لم يفقد بعد القدرة على التمييز بين الجلاد والضحية.
فهي تجسد المثل الشعبي الدارج: “رمتني بدائها وانسلت.”
ومن ذلك ما صرحت به نسيبة نافع، ابنة الدكتور نافع إن لم تتشابه علينا الاسماء، حين قالت إن أفراد الدعم السريع إذا عجزوا عن سرقة سيارة أحرقوها.
وقد يكون هذا السلوك مداناً إن ثبت وقوعه، لكن من يطلق مثل هذه الاتهامات عليه أولاً أن يقف أمام مرآة التاريخ.
فكيف يتحدث عن الوحشية من ينتمي إلى نظام ارتبط اسمه بانتهاكات وفظاعات تركت جراحاً غائرة في وجدان السودانيين، ومن بينها ما أُثير حول مقتل الشهيد الدكتور علي فضل حيث ينسب لوالدها شخصياً هو من دق مسمار الشؤم في رأس الشهيد، وما شهدته تلك الحقبة من تعذيب وقمع وترويع للمعارضين انتهت بدق خازوق العار في دبر من كاد أن يكون رسولا؟
والأهم من ذلك أن الدعم السريع نفسه لم يهبط من السماء، ولم يكن ظاهرة ولدت خارج إرادة السلطة، بل هو صناعة النظام الذي حكم البلاد لأكثر من ثلاثة عقود.
هو الذي أنشأه، وسلحه، وموله، ومنحه الشرعية، وجعله إحدى أدواته في إدارة الصراع وحماية بقائه.
هذه هي الحقيقة التي يحاول أن يتملص منها الكيزان اليوم.
فكيف يستقيم بعد ذلك أن يتبرأ الصانع من صنعته عندما تنقلب عليه وتنحاز إلى الشعب الذي يخافونه ويريدون الحماية منه؟
وكيف يتحول من أسهم في تأسيس الأزمة إلى شاهد ملك يتحدث عن البراءة؟
لقد دفعت بلادنا ثمناً باهظاً لسياسات قصيرة النظر، ولإدارة الدولة بمنطق المليشيات، وكتائب الظل وتغليب الولاء على المؤسسات، والقوة على القانون.
وما الحرب الدائرة اليوم إلا إحدى النتائج المأساوية لذلك النهج.
ومن أراد أن يبحث عن الجذور الحقيقية للمأساة، فلن يجدها في أحداث اليوم وحدها، بل في القرارات التي زُرعت بالأمس، حتى أثمرت هذا الخراب والدمار.

إن الشعب السوداني لا يحتاج إلى خطابات تبرئة، ولا إلى بكائيات سياسية ممن كانوا جزءاً أصيلاً من صناعة الأزمة.
فالحقائق لا يمحوها الضجيج، والذاكرة الوطنية ليست ورقة يمكن تمزيقها كلما تبدلت المصالح.
سيظل الكيزان يحاولون إقناع الناس بأنهم كانوا رجال الإنقاذ من فظائع “الجنجويد”، بينما يعلم السودانيون أنهم كانوا، في جانب كبير من المشهد، من مهندسي الكارثة.

ومن صنع الداء لا يحق له أن يتقمص دور الطبيب، ومن غرس الشوك لا يجوز له أن يشكو وخز الأشواك.
ولعل أصدق ما يلخص هذا المشهد كله هو ذلك المثل الشعبي البليغ: رمتني بدائها وانسلت.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.