هذا الإقرار لا يكشف الخطأ المصرفي الذي وقع فيه البنك المركزي فحسب، بل يكشف أن ثمة أيادي خارج البنك تدخلت في منح التصديق لشركة العسجد والآن تسحبه فماهو الأخطر !
أطيف أول:
كأنما وطني كلما حاول النسيان
عاد يسألهم في صمت ويغرق في انتظار!
وبالأمس تحدثنا عن القضية التي شغلت الرأي العام، والمتعلقة بمنح بنك السودان شركة العسجد صلاحيات حساسة ترتبط بالتحكم في حركة الأموال والتحويلات المالية.
وحذرنا من خطورة أبعاد الخطوة الأمنية والسياسية على البلاد، طالما أن أهل الاقتصاد والمختصين في مجال المصارف بيّنوا مخالفاتها للأسس والقوانين المصرفية.
وأمس أصدر بنك السودان قرارًا بإلغاء التصديق الممنوح لشركة العسجد للحلول الرقمية والذكية المحدودة للعمل في مجال خدمات نظم الدفع الإلكتروني، وذلك بعد مراجعة شاملة لأوضاع الشركة وفق المعايير الفنية والمالية والرقابية المعلنة المنظمة لهذا القطاع.
وبنك السودان بهذا البيان قدّم إقرارًا واضحًا بأنه منح الترخيص لشركة بلا معايير فنية ومالية ورقابية. وهذا لا يكشف الخطأ المصرفي الذي وقع فيه البنك فحسب، بل يكشف ما هو أخطر منه، وهو أن ثمة أيادي خارج البنك تدخلت في منح الترخيص لشركة العسجد، وأنه قرار الشراكة معها لم يصدر عبر القنوات الفنية الطبيعية داخل البنك.
فمنح الترخيص دون المرور بالمعايير لا يحدث داخل مؤسسة مصرفية إلا عندما يكون قرارها مسلوب بقوة خارج البنك.
و العودة للمراجعة الشاملة للمعايير تعني أنها لم تُراجع عند منح التصديق للشركة، لأن القرار نزل على البنك ولم يصدر منه. ولو كانت الخطوة قد راجعتها لجان البنك منذ البداية، لما احتاج البنك إلى إلغاء التصديق بهذه السرعة.
والبيان نفسه لمّح إلى أن منح التصديق لم يكن قرارًا مهنيًا مكتملًا، وهذه ليست لغة مؤسسة واثقة من قرارها؛ فالمعايير تُراجع قبل منح التصديق، لا بعده.
إذن هي لغة بنك لا يملك قراره المصرفي، ويكشف عبر بياناته أنه خاضع لسلطة أعلى.
فالقرارات المهنية في المؤسسات المصرفية لا تُلغى خلال ساعات، لكن القرارات التي تأتي من خارج القنوات الرسمية غالبًا ما تُسحب بسرعة عندما تتأثر برفض الرأي العام لها.
والجهة العليا التي جعلت شركة العسجد تعلن عن حصولها على الترخيص ربما قصدت أن تكون الخطوة «بالونة اختبار».
فعندما لا تُنشر وثيقة الاتفاق، ولا تُعرض بنوده، ولا تُعلن تفاصيله، فهذا يعني أن الجهة المانحة للترخيص تعطي نفسها مساحة للإنكار أو التراجع في أي وقت. وهذا بالضبط ما تفعله المؤسسات عندما تريد اختبار ردّة الفعل قبل اتخاذ قرار نهائي، وهي سياسة خداع درجت عليها فلول النظام.
ولأنه لا يوجد أي اتفاق منشور أو معلن رسميًا بين شركة العسجد للحلول الرقمية والذكية وبنك السودان المركزي، إذن فلا يوجد نص يمكن الرجوع إليه يوضح بنود الاتفاق أو التزامات الطرفين.
حتى البنك في بيانه لم يستخدم كلمة «إلغاء الاتفاق» لأنه لا يوجد اتفاق منصوص أصلًا، واستخدم بدلًا عنها كلمة «إلغاء التصديق»، لأن العلاقة كانت مجرد إذن أولي قصدت الحكومة
إن مرّ دون احتجاج شعبي أن تنفذ تحته ما هو أخطر من الجرائم الاقتصادية التي ترتكبها، وإن جابهته ثورة رفض تتنصل عنه.
فلو كان هناك اتفاق منشور أو عقد تشغيل، فالعسجد تملك حق المطالبة بتعويض وحق الطعن في قرار الإلغاء واللجوء للقضاء.
ولكن غياب أي خطوة قانونية من الشركة يعني أنه ليس هناك نص تعاقدي تستند إليه، وهذا يؤكد أن الشركة لعبت دورًا أسوأ، وهو دور الواجهة.
فأخطر ما قد يختفي خلفها هي محاولة تمرير تغيير كبير في بنية النظام المصرفي أو في مسارات الأموال، دون إعلان ذلك صراحة، وعبر شركة تُستخدم كواجهة لقرار سياسي أو مالي أكبر.
إذن الجهة العليا التي تدخلت في منح التصديق للعسجد هي نفسها التي أمرت بإلغائه، بينما اكتفى البنك بدور المنفّذ عند المنح، والمبرّر عند المنع.
لكن هل تم الإلغاء لحسم القضية أم للتغطية على ماهو أخطر فالذي لم يُمرّر في العلن قد يُمرّر في السر.
لأن السودان في وضعه الحالي لا يحتاج من بنكه المركزي مثل هذه الخطوات التي تعبّر عن «الرفاهية المصرفية»، بل يحتاج الآن استقرارًا ماليًا وضبطًا نقديًا فالجنيه السوداني صريع الآن، لذلك من الواجب العمل في قضايا جوهرية أهم أولها حماية النظام المصرفي من الفوضى والتجريب.
والأولويات الآن ليست هذا التخبط، بل الاستقرار الاقتصادي الذي لن يتوفر دون الاستقرار الأمني والسياسي. ولكن هذا القفز فوق القضايا المهمة يؤكد أن هناك ما هو أكبر من العسجد يقف خلف الواجهة!
طيف أخير:
#لا_للحرب
أعاد مسعد بولس نشر خبر «الشرق بلومبيرغ» وقال :
(يسعدني للغاية أن أسمع تأكيد الممثل السوداني أن رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قد قبل على ما يبدو ولم يرفض أحدث مقترح للسلام).
وهذا لاشك رد للتحية بأفضل منها
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.