تعليم الجزيرة… عندما تصبح الاستيضاحات بديلاً عن الحلول

حسن عبد الرضي

إذا عجزت الإدارة عن حل المشكلة، صنعت ملفًا. وإذا فشلت في إقناع الناس، فتحت دفتر الاستيضاحات. وإذا انكسر منطقها، أشهرَت كشوفات النقل والإعفاء. هكذا يبدو أن إدارة التعليم بولاية الجزيرة قررت أن تدير أكبر أزمة تعليمية تعيشها الولاية.
القصة كلها بدأت بمذكرة مطالب. لا انقلابًا عسكريًا، ولا تمردًا مسلحًا، ولا احتلالًا لمباني الوزارة. معلمون كتبوا مطالبهم ورفعوها إلى مخدمهم، وانتظروا الرد. لكن يبدو أن الوزارة قرأت المذكرة بالمقلوب، فبدلاً من أن ترد على المطالب، ردت على أصحاب المطالب. ولأن الحجج نفدت، بدأ موسم العقوبات.
والحقيقة التي تؤلمهم أن إضراب المعلمين لم يهزم. بل كلما ازداد التهديد، ازداد تماسك المعلمين. وكل كشف نقل جديد ليس إلا اعترافًا غير مكتوب بأن كل الوسائل السابقة فشلت. إنها معركة تخوضها إدارة ضد معلميها، لا ضد الأزمة نفسها.
وأطرف ما في المسرحية هو “الاستيضاح”. أي استيضاح هذا؟
الاستيضاح في القانون يُوجَّه لمعلم غاب بلا عذر، أو قصّر في أداء واجبه، حتى يوضح أسباب التقصير.
لكن هنا، الجميع يعلم أن المعلمين مضربون، والجميع يعلم أنهم رفعوا مذكرة مطالب، والجميع يعلم أن الوزارة لم ترد عليها لا قبولًا ولا رفضًا. إذن… ماذا تريدون أن تستوضحوا؟ هل تريدون أن يكتب المعلم في الورقة: “أنا مضرب لأنني مضرب”؟ أم تريدون تحويل ورقة الاستيضاح إلى عصا غليظة لإخافة من لا يعرف اللوائح؟
هذا ليس تطبيقًا للقانون، بل استهبال إداري مكتمل الأركان.
ثم جاءت كشوفات التنقلات بمحلية ود مدني. ويكذبون في قولهم إنها تنقلات إدارية. لكنهم لا يدرون أن الناس يقرؤون ما بين السطور.
فالذين أُبعدوا ليسوا أسوأ الإداريين، بل لأن كثيرًا منهم رفضوا أن يتحولوا إلى أدوات لمعاقبة زملائهم.
رفضوا كتابة استيضاحات يعلمون أنها بلا معنى. رفضوا تهديد معلمين يعرفون أنهم أصحاب قضية. رفضوا بيع ضمائرهم مقابل كرسي. فنزلوا من المناصب… لكنهم ارتفعوا في أعين زملائهم. ذلك هو الفرق بين من يحمل المنصب، ومن يحمل المبدأ.
أما الذين جلسوا على الكراسي الجديدة، فما زال أمامهم امتحان عسير: هل يكونون أدوات لتنفيذ أوامر الترهيب، أم ينحازون إلى شرف المهنة؟ والأيام وحدها ستجيب.

والأغرب من ذلك كله… من الذي أعد هذه الكشوف؟ الولاية نفسها تعاني من غياب كثير من الموجهين عن محلياتهم، وبعضهم يقيم خارجها منذ شهور. فمن أين جاءت هذه “الرؤية الفنية” العجيبة؟ أهي دراسة مهنية فعلًا؟ أم أن المسطرة الوحيدة كانت: “من وقف مع المعلمين… يُنقل”؟

أما النقابة… فحدث ولا حرج. زميل تعرض لحادث قبل أكثر من ثلاثة أشهر. وظل يصارع الألم على فراش المرض. ولم تمتد إليه يد النقابة. فلم يجد عونًا حقيقيًا ممن يتحدثون صباح مساء عن رعاية المعلمين. وتركوه يواجه مصيره وحده. ولما ضاقت به الدنيا، لم يتحرك لإنقاذه إلا زملاؤه، وطالباته، وطلابه، الذين جمعوا المال من جيوبهم القليلة، لكن القدر كان أسرع، فرحل الرجل إلى رحمة الله. هناك سقطت آخر ورقة توت. فأي نقابة هذه التي تتفرغ لملاحقة المعلمين إذا طالبوا بحقوقهم، وتعجز عن الوقوف مع معلم يحتضر؟ أي نقابة تعرف طريق مكاتب المسؤولين، ولا تعرف طريق سرير معلم مريض؟ لقد اختار بعض النقابيين أن يكونوا أقرب إلى المخدم من زملائهم. فالبدلات، والمخصصات، والنثريات، والمكاتب المكيفة، تصنع أحيانًا مسافة طويلة بين المسؤول والمعلم الذي لا يكفيه راتبه لأيام معدودة. ولذلك صار المطلوب هو إسكات الصوت، لا سماع المطالب. وكسر الإضراب، لا كسر الأزمة. لكنهم نسوا حقيقة بسيطة… المعلم الذي صبر على راتب لا يكفي أسرته، لن يخيفه استيضاح. والمعلم الذي خرج يطالب بحقه، لن تعيده إلى الفصل ورقة نقل. والمعلم الذي كسر حاجز الخوف، لن تكسره تهديدات المكاتب. أما أنتم، يا من سجلتم مواقفكم المشرفة من المديرين والوكلاء والإداريين، ورفضتم أن تكونوا سوطًا على ظهور زملائكم…
فقد خسرتم المناصب، لكنكم ربحتم التاريخ. والتاريخ ــ على عكس كشوفات التنقلات ــ لا يُكتب في المكاتب. بل يُكتب في ضمائر الناس.
ولتعلم إدارة التعليم أن القضية لم تعد قضية نقل، ولا استيضاح، ولا إعفاء. لقد أصبحت قضية كرامة.
والكرامة، إذا نهضت، لا تنكسر بقرار إداري.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.