المهندسون الجدد للخراب: لماذا يتغنى تجار الحروب بـ “حوار الخرطوم الداخلي” ومع أنفسهم فقط؟

محمد صالح محمد

حين تضيق الخيارات العسكرية وتتآكل ورقة الحسم السريع، لا يتردد صناع الأزمات في استدعاء السلاح الأقدم والأكثر دهاءً في ترسانتهم السياسية: “مسرحية الحوار السوداني السوداني”.
لكن المشهد لا يحمل من معاني الوطنية سوى لافتاته الباهتة؛ فهو حوار يُدار خلف السواتر الإسمنتية وتحت مظلة الانغلاق الكامل داخل الخرطوم، ومع ذواتهم المرآوية فقط.
إنه ليس بحثاً عن مخرج وطني، بل هو عملية “إعادة تدوير للسلطة” وهندسة متقدمة لتأبيد الحرب بأدوات سياسية في محاولة ماكرة لتفريغ السلام من مضمونه وتحويله إلى صك إبراء ذمة لمن أضرموا نيران الفتنة.
أولاً: لماذا يتمسك دعاة الحرب بـ “حوار الخرطوم المنعزل”؟
التمسك المريب بعقد الحوار حصرياً من داخل العاصمة ومع الحلفاء المعتمدين فقط يكشف عن هندسة سياسية خبيثة تقوم على أهداف غير معلنة:
صناعة الشرعية المزيفة: بعد أن تهالكت المبررات العسكرية، يحتاج تجار الحروب إلى واجهة مدنية تمنحهم صكوك الغفران، فيتم تفصيل “مقاسات” الحوار بحيث لا يطأ أرضه إلا من يصفق للبارود ويسبح بحمد البنادق، لإضفاء شرعية أمر واقع على سلطة فقدت توازنها.
قطع الطريق على الحلول الشاملة: إن حصر الطاولة في جغرافيا محددة ومع النخبة ذاتها هو تكتيك مقصود لعزل الأزمة عن سياقها الإقليمي والدولي، والهروب من استحقاقات العدالة الانتقالية وبناء جيش وطني مهني موحد.
تقاسم غنائم ما بعد الدمار: الحوار هنا ليس منصة لتأسيس دولة، بل هو “بورصة لتقاسم الحصص” بين أمراء الحرب والواجهات الحزبية الموالية، حيث يتم تفصيل مقاعد السلطة المقبلة على طريقة تقسيم تركة رجل ميت.
ثانياً: أين داعمو الطرف الآخر وأين صقور الظل؟
في هذا المسرح المغلق، يبدو غياب الطرف الآخر المدجج بالسلاح أو الحلفاء الإقليميين والدوليين المرتبطين به مقصوداً ومدروساً. فالطرف الآخر لا يبحث بدوره عن سلام حقيقي، بل يستثمر في الفوضى وينتظر لحظة التداعي الكامل لفرض شروطه بالقوة.
وحين يصرّ دعاة الحرب في الخرطوم على حوار “مع أنفسهم”، فإنهم يوجهون رسالة ضمنية مفادها: نحن لا نريد شريكاً في التسوية، بل تابعاً في التسليم والاستلام. إنهم يستبدلون المفاوضات الجادة مع الخصوم بـ “حوارات كربونية” مع حلفاء طائعين، لضمان ألا يعكر صفو تقاسمهم للسلطة أي صوت يطالب بمساءلة أو تغيير حقيقي في بنية الدولة السودانية.
ثالثاً: أين تراجعت أصوات السلام الحقيقي؟
أما الضحية الكبرى في هذه المعادلة الشيطانية فهي الكتلة الصامتة والمدنية الحقيقية التي رفعت راية “لا للحرب” منذ اليوم الأول.
لقد جرى إقصاء قوى الثورة الحية والمجتمع المدني المستقل، وتم إغلاق المنابر الخارجية والوسطاء النزيهين الذين يحاولون فرض خارطة طريق تنهي معاناة الملايين من النازحين واللاجئين.
تم شيطنة كل صوت يدعو إلى وقف إطلاق النار الفوري ووصفه بـ “الخيانة”، لتخلو الساحة تماماً لأبواق التعبئة والتصعيد.
إن الغائب الأكبر ليس سوى “المواطن السوداني” نفسه الذي يُستبعد تماماً من معادلة تقرير مصيره، ليتحول من صاحب مصلحة أولى في الحياة والسلام إلى مجرد رقم في سجلات النزوح والدمار.
إن الحوار السوداني السوداني من داخل الخرطوم وبهذه الطريقة الاستنساخية ليس سوى محاولة بائسة لإنتاج نظام الأزمات القديم بوجوه جديدة. إنه سلام الكواليس المصمم خصيصاً لحماية مصالح النخب المأزومة، بينما تظل البلاد تحترق على وقع بنادق لا تبالي بمصير الوطن.
في ظل هذا المشهد القاتم، تبقى التساؤلات ملحة وموجعة: متى تدرك هذه النخب أن تدوير الخراب لا يمنح شرعية، وأن الأوطان لا تُبنى على أنقاض المغالبة والإقصاء؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.