البرهان وإعادة هندسة الشرعية في السودان

عبدالمنعم همّت

لتسريبات السياسية لا تكتسب أهميتها من الجهة التي تصدر عنها فقط ، لكن تكتسبها من قدرتها على كشف طريقة التفكير داخل دوائر الحكم. وإذا صحت الوثيقة المنسوبة إلى مكتب رئيس مجلس السيادة فإنها تقدم صورة واضحة عن الكيفية التي تنظر بها القيادة العسكرية إلى مستقبل السودان بعد سنوات الحرب.
أول ما يلفت الانتباه أن الوثيقة لا تنطلق من فكرة التسوية السياسية التقليدية. القراءة المتأنية تشير إلى وجود محاولة لإعادة بناء الشرعية من داخل مؤسسات الدولة بعيدا عن المبادرات التي رعتها العواصم والمنظمات الإقليمية والدولية. لهذا جاء الحديث عن حوار سوداني يعقد داخل السودان مع رفض أي مخرجات تصدر خارج حدوده. هذه الرسالة تستهدف استعادة القرار السياسي إلى الداخل وتأكيد أن المرحلة المقبلة ستدار وفق رؤية تضع المؤسسة العسكرية في مركز المشهد.
التصور المقترح لحكومة انتقالية يقودها رئيس للجمهورية وتكنوقراط لمدة خمس سنوات يكشف أيضا أن القيادة العسكرية لا ترى نفسها طرفا في المرحلة الانتقالية وإنما الضامن لها وصاحب القرار فيها. الفارق كبير بين المشاركة في السلطة وبين الاحتفاظ بمفاتيحها. الوثيقة تميل إلى الخيار الثاني بصورة واضحة.
في الجانب الخارجي يبدو الرهان الأكبر على المملكة العربية السعودية. اختيار الرياض ليس تفصيلًا سياسيًا. السودان يحتاج إلى شريك يمتلك الثقل الاقتصادي والقدرة على فتح الأبواب أمام إعادة الإعمار وعودة الاستثمارات وتحسين علاقاته مع المجتمع الدولي. لذلك تبدو السياسة الخارجية في هذا المشروع مرتبطة بالاقتصاد أكثر من ارتباطها بالشعارات.
الوثيقة تكشف أيضا عن إعادة ترتيب مؤسسات الدولة. الملفات التي كانت موزعة على لجان وهيئات مختلفة يجري نقلها تدريجيًا إلى مؤسسات السيادة والأجهزة العسكرية والأمنية. هذا التغيير يعكس قناعة بأن إدارة المرحلة القادمة يجب أن تتم من خلال مؤسسات تمتلك القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه في وقت واحد.
أما الحديث عن استبعاد من تلطخت أيديهم بدماء السودانيين فيبقى أكثر البنود إثارة للنقاش. القضية لا تتعلق بالوصف نفسه وإنما بالجهة التي ستحدد من ينطبق عليه هذا الوصف. هنا يبدأ الجدل القانوني والسياسي لأن أي عملية انتقال تحتاج إلى معايير واضحة حتى لا تتحول العدالة إلى أداة للصراع.

إذا كانت هذه الوثيقة تعبر بالفعل عن التفكير السائد داخل القيادة العسكرية فإن الهدف يتجاوز تشكيل حكومة جديدة. المشروع يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين الجيش والدولة وبين الداخل والخارج وإعادة رسم التحالفات الإقليمية بما يمنح السلطة القائمة مساحة أكبر للمناورة السياسية.

يبقى نجاح هذه الرؤية مرهونًا بقدرتها على إقناع السودانيين قبل إقناع المجتمع الدولي. التجارب السودانية أثبتت أن أي مشروع سياسي يفتقد التوافق الوطني يواجه صعوبات كبيرة مهما امتلك من أدوات القوة أو الدعم الخارجي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.