ضغط ناعم

أطياف - صباح محمد الحسن

تلجأ الأطراف الإقليمية إلى أساليب تقوم على الضغوط والتضييق، وتتعمّد إضعاف الانسجام الداخلي في التحالف المدني وتحاول أن تخلق تيارات متباينة، أو حتى العمل على إرباك البنية التنظيمية. ومع ذلك تفشل كل المحاولات لهذا السبب !!

 

طيف أول:
وطنٌ بصوته المبحوح ينده الغياب، ليتك تقلّص المسافة بيننا
لأقطف منك همسة نور
يتحرر الصوت من جوف الآهات المبهمة
كي ينمو نهجي
ويخضرّ بي الوجود

وبالأمس تابع الشارع السوداني، ولا سيما الأوساط المدنية والثورية، توقيف القيادي في تحالف صمود بابكر فيصل بقدرٍ من القلق والترقّب، نظراً لارتباط الخطوة بشخصية تحظى بحضور معتبر داخل المشروع المدني.
فالحادثة، لا تُقرأ بوصفها إجراءً منفصلاً، بل ضمن سياق سياسي حساس يلامس تماسك البنية المدنية ومسارها في لحظة تتسم بالتعقيد والتداخل الإقليمي.
ولا يمكن فصله عن طبيعة العلاقة بين القاهرة والتحالف المدني الديمقراطي، باعتباره يمثل أحد أكبر الأجسام المدنية التي تطرح رؤى تدعو إلى إعادة بناء الدولة على أسس مدنية وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية.
ومن منظور المصالح الإقليمية، يتعارض هذا مع رؤية القاهرة التي لا شك أنها تنظر بحساسية إلى صعود جسم مدني يمتلك خطاباً واضحاً حول إبعاد المؤسسة العسكرية عن الحكم، لما قد يترتب على ذلك من تغيّر في مقاعد طاولة المصالح، إضافة إلى ما قد ينعكس على ملفات استراتيجية كبيرة.
ولا يُعدّ بابكر فيصل شخصية عابرة فهو من قيادات الصف الأول داخل صمود، ومحلّ متابعة من الأطراف الإقليمية. ويمكن قراءة الخطوة المصرية باعتبارها رسالة غير مباشرة مفادها أن وجود القيادات المدنية على الأراضي المصرية يجري ضمن بيئة سياسية حسّاسة، وأن القاهرة ليست طرفاً محايداً بالكامل في المشهد السوداني.
ومع ذلك، قد تحمل أبعاداً سياسية أخرى تتصل بما يمكن وصفه بمحاولة مواصلة سياسة “الضغوط الناعمة” التي تتبعها الدول الإقليمية، والتي ظلت تسعى إلى الوصول إلى شخصيات منفردة داخل التحالف بدلاً عن الكتلة.
وتندرج هذه المقاربة ضمن مسار إقليمي أوسع، تشترك فيه مصر والسعودية وبعض القيادات في المنظمات الأفريقية، يهدف إلى إعادة تشكيل المشهد المدني السوداني وفق رؤية ومصالح هذه الجهات، أو على الأقل خلق مسارات موازية تخفف من قوة تأثير القوى المدنية، بما يتيح إعادة إدماج قيادات عسكرية في المشهد السياسي.
ولأن صمود يمتلك خطاباً سياسياً وجماهيرياً واضحاً، أثبتت التجربة صعوبة احتوائه عبر الأدوات التقليدية، تلجأ الأطراف الإقليمية إلى أساليب تقوم على الضغوط والتضييق على القيادات السياسية، بغية أن تكون أسهل الوسائل لليّ الذراع، أو على الأقل تتعمّد إضعاف الانسجام الداخلي في التحالف المدني وخلق تيارات متباينة، وحتى العمل على إرباك البنية التنظيمية. وهي مقاربات تُستخدم عادة عندما يكون التعامل مع الكيان ككتلة واحدة مكلفاً أو غير ممكن.
ومع ذلك، فإن هذه الأساليب لا تبدو قادرة على تحقيق أهدافها بصورة كاملة، إذ إن مواقف صمود السياسية تجاوزت مرحلة كونها ملكاً لتحالف محدد، وأصبحت جزءاً من الوعي العام للشارع السوداني، وخطاً ثورياً راسخاً يصعب التأثير عليه عبر الضغوط الفردية. فصمود تحوّل من كيان تنظيمي إلى حالة سياسية، وهو ما يجعل محاولات إضعافه عبر الضغط على الأفراد محدودة الجدوى.
وعليه، فإن توقيف بابكر فيصل هو محاولة من ضمن المحاولات الفاشلة، ولا يمكن قراءته فقط في إطار وجود اسمه ضمن قوائم سياسية، بل في سياق موقفه المؤثر داخل صمود، باعتباره شخصية ذات مواقف وطنية ثابتة، وهو ما يفسّر حساسية التعامل معه تحت مظلة التوقيف.
ومن ثمّ فإن الإجراء يكتسب دلالة أعمق ترتبط بحساسية اللحظة السياسية وبما يهمّ تماسك البنية المدنية ومسارها، بحكم مكانة فيصل في التحالف وبصفته صوتاً ظل يصدح بالحق، ويُعدّ جزءاً من منظومة مدنية تسعى إلى ترسيخ رؤية واضحة لإعادة بناء الدولة على أسس مدنية. وهو ما يجعل أي خطوة تتعلق به محلّ متابعة من الأطراف التي تراقب المشهد السوداني، وبقلق أوسع تجاه صعود المشروع المدني وأهمية الحفاظ على تماسكه، أكثر من كونه مجرد إجراء مرتبط بقائمة محددة.

طيف أخير:
#لا_للحرب
إذا كان لقاء الكباشي بمسعد بولس بالقاهرة في 21 يونيو، وجلسة مجلس الأمن التي لوّح فيها بولس بالكيماوي يوم 26 يونيو، إذن لا قيمة لهذا اللقاء الثنائي طالما أنه لم يحقق مكسباً للجيش أو يغيّر في موقعه كرقم في المعادلة الدولية.
ولذلك فإن كل تقارب بين الطرفين مستقبلاً سيصب في صالح الهدنة والسلام ولا غيرهما.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.