وثيقة البرهان المسرّبة.. هل تمهد لعودة الإسلاميين أم تعيد إنتاج السلطة؟

تقرير: عين الحقيقة

أعادت الوثيقة المسرّبة، من داخل مكتب رئيس مجلس السيادة في حكومة بورتسودان، والمؤرخة في 16 يونيو، الجدل حول طبيعة المشروع السياسي الذي تعمل القيادة العسكرية على صياغته لإدارة المرحلة المقبلة في السودان، وسط تساؤلات بشأن مستقبل العملية السياسية، واتفاق جوبا للسلام، الذي تمثله الحركات المسلحة الموقعة عليه والمشاركة في القتال إلى جانب الجيش السوداني ضمن «القوة المشتركة»، وفرص الانتقال الديمقراطي، وما إذا كانت الترتيبات المقترحة تمهد لعودة قوى سياسية كانت جزءًا من الحركة الإسلامية، التي تمثل النظام السابق «الإخوان»، أم تمثل محاولة لإعادة إنتاج السلطة بصيغة جديدة تمثل البرهان وزمرته.
وتتضمن الوثيقة، التي وُصفت بأنها «سرية وشخصية»، توجيهات من مدير مكتب رئيس مجلس السيادة إلى رئيس مفوضية السلام، تتناول ملامح رؤية سياسية للمرحلة المقبلة، تشمل ترتيبات الحكم، وإدارة ملف السلام، والسياسة الخارجية، والحوار السياسي.
إعادة تشكيل السلطة
تشير مضامين الوثيقة إلى تصور يقوم على تشكيل حكومة انتقالية تمتد خمس سنوات، تتولى إدارة البلاد حتى إجراء انتخابات عامة، مع منح المؤسسات السيادية والعسكرية دورًا محوريًا في إدارة المرحلة.
ويرى مراقبون أن هذا الطرح يعكس توجهًا نحو إعادة صياغة مركز اتخاذ القرار داخل الدولة، بحيث تنتقل الملفات السياسية والأمنية الأساسية إلى مؤسسات السلطة المركزية في بورتسودان، بما في ذلك ملفات السلام والترتيبات الأمنية، وهو ما يعني، عمليًا، تقليص الأدوار التي اضطلعت بها مؤسسات المرحلة الانتقالية، وفي مقدمتها مفوضية السلام.
حوار سياسي بشروط جديدة
ومن أبرز ما ورد في الوثيقة الدعوة إلى حوار «سوداني-سوداني»، مع استبعاد القوى التي تُصنَّف بأنها «ملطخة بدماء الشعب». ويرى محللون أن هذه الصياغة تفتح الباب أمام إعادة رسم خريطة المشاركين في العملية السياسية وفق معايير تضعها السلطة القائمة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تضييق قاعدة المشاركة السياسية وإعادة تشكيل المشهد الحزبي بما يتوافق مع رؤية القيادة العسكرية.
كما يثير هذا الطرح تساؤلات بشأن الجهة التي ستحدد معايير المشاركة والاستبعاد، ومدى توافق ذلك مع المبادئ التي تقوم عليها عمليات التسوية السياسية الشاملة.
مستقبل اتفاق جوبا
وتشير الوثيقة إلى نقل ملفات السلام والترتيبات الأمنية من مفوضية السلام إلى مؤسسات سيادية وعسكرية، وهو ما يعتبره مراقبون تحولًا في فلسفة إدارة عملية السلام.
ويرى بعض المحللين أن هذه الخطوة، إذا نُفذت، قد تؤدي إلى إضعاف المؤسسات التي أُنشئت بموجب اتفاق جوبا، وإعادة إدارة ملف السلام من داخل مؤسسات الدولة العسكرية، وهو ما قد ينعكس على العلاقة مع الحركات المسلحة الموقعة على الاتفاق.
كما قد يضع هذا التحول الحركات المسلحة والقوى السياسية المتحالفة مع الجيش أمام تحديات جديدة تتعلق بدورها في المرحلة المقبلة، خاصة إذا أُعيدت صياغة العملية السياسية بعيدًا عن الشراكات السابقة.
مقاربة جديدة للعلاقات الخارجية
على المستوى الخارجي، تكشف الوثيقة عن توجه يركز على رفض المبادرات السياسية التي تُطرح خارج السودان، مع إعطاء الأولوية لبناء تحالفات إقليمية، وتعزيز العلاقات مع عدد من العواصم المؤثرة، إلى جانب العمل على استعادة عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي.
ويرى مراقبون أن هذه المقاربة تستهدف تعزيز الشرعية السياسية والدبلوماسية للسلطة القائمة، وتقليل الضغوط الدولية، وإعادة تقديم الحكومة باعتبارها الطرف القادر على إدارة المرحلة المقبلة.
قراءة في الأهداف المحتملة
استنادًا إلى مضامين الوثيقة، يرى محللون أن الرؤية المطروحة تسعى إلى تحقيق عدة أهداف، أبرزها: تثبيت بنية الحكم خلال مرحلة انتقالية طويلة نسبيًا.
إعادة تموضع قيادة الجيش السوداني باعتبارها الضامن الرئيسي لاستقرار الدولة.
إعادة تشكيل العملية السياسية بما يقلص نفوذ القوى المدنية التي اسقطت الإسلاميين في ثورة ديسمبر.
إعادة توزيع مراكز اتخاذ القرار داخل مؤسسات الدولة حسب مزاج الحركة الإسلامية المتحالفة مع قيادة الجيش.
بناء شرعية داخلية وخارجية للبرهان للترتيبات السياسية الجديدة.
بين إدارة الانتقال وإعادة إنتاج السلطة
ويثير مضمون الوثيقة جدلاً واسعًا حول ما إذا كانت تمثل محاولة لإدارة مرحلة انتقالية جديدة في ظل ظروف الحرب، أم أنها تعكس مشروعًا لإعادة إنتاج السلطة بصيغة مختلفة، عبر تمديد الفترة الانتقالية، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وحصر المشاركة السياسية في نطاق أكثر ضيقًا.
وفي المقابل، يرى آخرون أن نجاح أي مشروع سياسي سيظل مرتبطًا بقدرته على تحقيق توافق وطني واسع، ومعالجة جذور الأزمة السودانية، وإنهاء الحرب، بما يضمن مشاركة مختلف القوى السياسية والاجتماعية في رسم مستقبل البلاد.
وفي ظل استمرار الحرب وتعثر مسارات التسوية، تطرح وثيقة البرهان المسرّبة أسئلة جوهرية أمام السودانيين بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، وحدود دور المؤسسة العسكرية في إدارة الدولة، ومستقبل اتفاق جوبا، وإمكانات الانتقال الديمقراطي.
كما تثير نقاشًا حول ما إذا كانت الترتيبات المقترحة تمثل محاولة لإدارة واقع فرضته الحرب، أم أنها تعكس توجهًا نحو إعادة تشكيل موازين السلطة بما يغيّر شكل العملية السياسية لسنوات مقبلة. وبين هذه القراءات المختلفة، يبقى مستقبل السودان مرهونًا بقدرة القوى السودانية على التوصل إلى تسوية سياسية واسعة تحظى بقبول وطني، وتجيب عن الأسئلة التي أثارتها الوثيقة أكثر مما تفرضه موازين القوة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.