في السياسة السودانية، كثيراً ما تتغير الواجهات بينما تبقى الأسئلة الجوهرية قائمة: من يحكم؟ وكيف تُكتسب الشرعية؟ ولصالح من تُدار المرحلة المقبلة؟ ومع تصاعد الحديث في الأوساط السياسية والإعلامية عن ترتيبات لتشكيل حكومة جديدة بقيادة الجيش، عاد الجدل حول ما إذا كانت هذه الخطوة تمثل بداية مرحلة انتقالية مختلفة، أم أنها قد تُستخدم – وفق ما يراه بعض منتقديها – لإعادة تموضع قوى سياسية كانت جزءاً من السلطة السابقة.
يرى عدد من المحللين أن أي حكومة تُشكَّل في ظل استمرار الحرب ستواجه تحدياً أساسياً يتعلق بشرعيتها السياسية ومدى قبولها داخلياً وخارجياً. فالحكومة، مهما كان اسمها أو تركيبتها، لن تستطيع تجاوز آثار الحرب أو كسب ثقة الشارع إذا لم تقترن بخطوات عملية نحو وقف القتال، وتحسين الأوضاع الإنسانية، وفتح المجال أمام عملية سياسية أكثر شمولاً.
وفي المقابل، تذهب قوى سياسية إلى أن الحديث عن إعادة إنتاج نفوذ الحركة الإسلامية أو حزب المؤتمر الوطني عبر ترتيبات جديدة يظل محل خلاف سياسي، ويتطلب أدلة واضحة تتجاوز التحليلات والتقديرات. غير أن مجرد تداول هذه المخاوف يعكس حجم أزمة الثقة التي أصبحت تحيط بالمشهد السياسي السوداني، بعد سنوات من الاستقطاب والانقلابات والحرب.
المواطن السوداني، الذي أنهكته الحرب وارتفاع الأسعار وانهيار الخدمات، لا يبدو منشغلاً كثيراً بأسماء الحكومات بقدر انشغاله بقدرتها على توفير الأمن والغذاء والدواء. ولهذا فإن أي سلطة جديدة ستُقاس، في نظر كثيرين، بما تحققه على الأرض، لا بما ترفعه من شعارات أو تعلنه من برامج.
كما أن القوى السياسية المدنية تجد نفسها أمام اختبار جديد. فإذا ظهرت ترتيبات سياسية جديدة، فهل ستتعامل معها باعتبارها فرصة لفتح مسار تفاوضي يخفف من معاناة البلاد، أم سترفضها خشية أن تؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوة بصورة لا تحقق تطلعاتها؟ هذا سؤال لن تحسمه التصريحات وحدها، بل طبيعة العملية السياسية نفسها، ومدى شمولها وشفافيتها.
أما المجتمع الدولي، الذي ظل يدعو إلى تسوية سياسية واسعة ووقف دائم لإطلاق النار، فمن المرجح أن يراقب أي ترتيبات جديدة من زاوية مدى مساهمتها في إنهاء الحرب، واحترامها لمبادئ المشاركة السياسية، وقدرتها على بناء مؤسسات تحظى بقبول واسع، لا من زاوية تغيير الأسماء أو الهياكل فقط.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن الأزمات العميقة لا تُحل بتبديل الواجهات وحده، بل بمعالجة جذور الانقسام، وإعادة بناء الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وإطلاق عملية سياسية تستوعب التنوع السوداني وتضع مصلحة المواطنين فوق الحسابات الفئوية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت هناك بالفعل ترتيبات لإطلاق حكومة جديدة، فهل ستكون مدخلاً إلى تسوية تنهي الحرب وتعيد بناء الدولة، أم ستُنظر إليها باعتبارها امتداداً للصراع السياسي القائم؟ الإجابة لن تحددها البيانات الرسمية، وإنما ما ستكشفه الوقائع على الأرض، ومدى قدرة أي مشروع سياسي جديد على كسب ثقة السودانيين قبل أي طرف آخر.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.