تُعد وثيقة البرهان، سيئة الذكر، التي سُرِّبت من داخل مكتب رئيس مجلس السيادة في حكومة بورتسودان، وثيقةً لا تكمن أهميتها في كونها وثيقةً إداريةً فحسب، بل في أنها تفتح نافذة لفهم الكيفية التي قد تُدار بها مصالح ومقدرات الشعب السوداني.. فهي لا تثير أسئلة حول ترتيبات الحكم فقط، وإنما حول طبيعة الدولة التي قد تخرج من رحم حرب الحركة الإسلامية وجنرالات الجيش الفاسدين.
في وقت يواجه فيه ملايين السودانيين النزوح والجوع والانهيار الاقتصادي، تبدو الوثيقة منشغلة بإعادة ترتيب مؤسسات السلطة، وإدارة ملفات الحكم، وتوزيع الصلاحيات، أكثر من انشغالها بتقديم تصور واضح لإنهاء الحرب أو معالجة آثارها الإنسانية. وهذه المفارقة تستحق التوقف عندها، لأنها تعكس الفجوة بين أولويات الدولة، كما تظهر في الوثيقة، وأولويات المواطنين الذين يدفعون ثمن الصراع يومًا بعد آخر.
ومن بين أكثر ما يلفت الانتباه مقترح الفترة الانتقالية الممتدة لخمس سنوات، وإعادة توزيع الصلاحيات بين المؤسسات، بما في ذلك نقل ملفات السلام والترتيبات الأمنية إلى مؤسسات سيادية وعسكرية. ولذلك أرى أن هذه التوجهات قد تعكس سعيًا لإعادة تنظيم مركز اتخاذ القرار في ظل ظروف الحرب، بينما يثير آخرون تساؤلات حول أثرها في مؤسسات المرحلة الانتقالية، ومستقبل اتفاق جوبا للسلام، وحدود المشاركة السياسية للحركات المسلحة التي خسرت كل ما تملك بسبب القرار المتهور الذي يدعم عودة الإخوان المسلمين إلى السلطة مرةً أخرى.
كما تطرح الدعوة إلى حوار «سوداني-سوداني» بشروط محددة نقاشًا مهمًا حول مفهوم الشمول السياسي. فنجاح أي عملية انتقالية لا يرتبط فقط بإطلاق الحوار، وإنما أيضًا بوضوح معايير المشاركة، واتساعها، وقدرتها على بناء توافق وطني يضم أكبر عدد ممكن من القوى السياسية والاجتماعية.
وتشير الوثيقة كذلك إلى توجه يمنح أولوية للعلاقات الإقليمية واستعادة الحضور الدبلوماسي. غير أن التجارب السودانية السابقة تُظهر أن الدعم الخارجي، مهما كانت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلًا لمصالح السودانيين، التي تتمثل في وقف الحرب وتحقيق سلام مستدام. فاستقرار الدول يُبنى من الداخل أولًا، ثم تدعمه العلاقات الإقليمية والدولية الطيبة، وليس العلاقات بين السعودية وحكومة بورتسودان والإسلاميين وقيادات الجيش الطامعين في الاستيلاء على السلطة والثروة في وضح النهار.
وفي الواقع، أعتقد أن هذا النوع من الترتيبات يقوم على افتراض أن ظروف الحرب تتطلب وجود مركز قرار أكثر تماسكًا، وأن إعادة تنظيم مؤسسات الدولة قد تكون وسيلة لتجاوز حالة الانقسام وإدارة المرحلة الانتقالية بكفاءة أكبر. ويظل تقييم هذه الرؤية مرتبطًا بمدى قدرتها على تحقيق الاستقرار، وتوسيع المشاركة السياسية، واحترام الالتزامات القائمة.
في نهاية المطاف، لا تحسم الوثيقة وحدها مستقبل السودان، بل قد تعرقل مساراته وتزيدها تعقيدًا، كما تثير أسئلة يصعب تجاوزها: كيف ستُدار الدولة بعد الحرب؟ وما حدود دور قيادة الجيش السوداني في المرحلة المقبلة؟ وهل يمكن الجمع بين مقتضيات الأمن ومتطلبات الانتقال السياسي؟ والأهم من ذلك، كيف يمكن بناء مؤسسات تحظى بثقة السودانيين، وتستجيب لتطلعاتهم في السلام والاستقرار، بدلًا من أن تعيد إنتاج الأزمات التي قادت البلاد إلى واقعها الحالي؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.