قبل مطالبة المعلم بالعطاء، اسألوه: كيف تعيش؟

حسن عبد الرضي

ليس في الأوطان مهنةٌ أشرف من مهنة تصنع العقول، ولا رسالةٌ أنبل من رسالة المعلم. ولكن، أيُّ وطنٍ هذا الذي يرفع شعارات تمجيد المعلم صباحًا، ثم يتركه مساءً يصارع الفقر والجوع والعجز عن إطعام أطفاله؟
إن مأساة المعلم السوداني لم تعد رواية تُحكى، ولا شكوى تُتداول في المجالس، بل أصبحت حقيقةً فادحة تكتبها الأرقام بمدادٍ من الألم.
فإذا كان ثمن سندوتش “طعمية” صغير يبلغ ثمانمائة جنيه. وإذا كان معلم في الدرجة الخامسة لديه ثلاثة أطفال في المدارس يحتاج إلى ألفين وأربعمائة جنيه كل يوم، فقط ليشتري لكل واحد منهم سندوتشًا متواضعًا لا يكاد يسد الرمق. وفي نهاية الشهر يدفع ثمانيةً وأربعين ألف جنيه من أجل هذا الحد الأدنى من الطعام. وعندما لا يتجاوز راتبه بضعةً وتسعين ألف جنيه. فبعد أن يطعم أبناءه ذلك السندوتش المتواضع، لا يبقى في جيبه سوى بضعةٍ وأربعين ألف جنيه لشهر كامل؛ أي ما يعادل ألفًا وخمسمائة جنيه في اليوم. وهنا يبدأ السؤال الكبير…
يا من تسمون انفسكم مجلس السيادة، ويا من يسمونكم زورا، مجلس الوزراء، ويا من تطربون عندما ينادونكم بالولاة ويا من فرضتم انفسكم أعضاء في الحكومات الولائية “الهاملة”… كيف، في ذمتكم، إن كانت لديكم ذمة، تعيش أسرة كاملة بألف وخمسمائة جنيه في اليوم؟ وكيف تدفع إيجار المنزل؟ وكيف توفر الغذاء والدواء؟ وكيف تشتري ملابس الأطفال؟ وكيف تواجه الأمراض التي لا تستأذن أحدًا، والطوارئ التي لا تعرف موعدًا، ومصاريف المواصلات، وفواتير الخدمات، ومتطلبات الحياة التي لا ترحم فقيرًا ولا تستثني معلمًا؟ إنها معادلة لا يحلها خبير اقتصاد، ولا يصدقها عقل.
ثم يأتي من يلوم المعلم لأنه أضرب، أو يهاجم مطالبه، أو يصوره وكأنه عدو للتعليم! فأي ظلمٍ هذا؟ وانتم تعلمون “زي جوع بطنكم” التي ربما لم تجرب الجوع، أن الإضراب ليس هواية، ولا رغبة في تعطيل الدراسة، بل هو آخر ما يلجأ إليه من سُدَّت في وجهه أبواب الإنصاف. فالمعلم لا يضرب لأنه يريد أن يتوقف التعليم، وإنما لأنه يريد أن يبقى حيًّا، قادرًا على الوقوف أمام تلاميذه بكرامة، لا أن يدخل الفصل وهو يحمل همَّ لقمة أطفاله أكثر مما يحمل همَّ الدرس.
وليعلم الجميع أن التعليم لا ينهض بالخطب الرنانة، ولا بالشعارات الموسمية، وإنما ينهض بالمعلم الكريم، المطمئن، القادر على أن يعيش حياةً تليق برسالته.
أما أولئك الذين يتصدرون النقابات والاتحادات، ثم يقفون في وجه مطالب المعلمين المشروعة، أو يحرضون على كسر الإضراب، أو يبررون هذا الواقع البائس، فإنهم يتحملون أمام التاريخ مسؤولية أخلاقية لا تقل عن مسؤولية أصحاب القرار. فليس من الوفاء للمهنة أن يُطلب من المعلم التضحية إلى ما لا نهاية، بينما يُترك وحيدًا يواجه الفاقة والعوز.
إن القضية اليوم ليست قضية زيادة راتب فحسب، بل قضية كرامة وطن. فالأمة التي تُذلُّ معلمها، وتجعله عاجزًا عن إطعام أبنائه، لا تهدم إنسانًا واحدًا، بل تهدم مستقبل أجيال بأكملها.
ويبقى السؤال معلقًا في وجه كل مسؤول، وكل من يهاجم المعلمين أو يقلل من معاناتهم: إذا كان ما يتبقى للمعلم بعد الحد الأدنى من إطعام أطفاله هو ألف وخمسمائة جنيه في اليوم، فكيف تريدونه أن يعيش؟ وكيف تريدون منه أن يربي أجيالًا، وهو عاجز عن تأمين أبسط مقومات الحياة لأسرته؟
أجيبوا عن هذا السؤال… قبل أن تطلبوا من المعلم مزيدًا من الصبر، أو مزيدًا من التضحية، أو مزيدًا من الصمت. وإلا فالواجب الأخلاقي يحتم عليكم أن تصمتوا إن كانت لديكم ذرة من أخلاق.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.