(السعودية).. دعم الحرب في السودان..!!

سيف الدولة كمال

لطالما ارتبطت المملكة العربية السعودية بعلاقات تاريخية واستراتيجية مع السودان، تجاوزت حدود السياسة إلى الروابط الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية. وعلى امتداد عقود، ظل السودان يمثل عمقاً استراتيجياً مهماً للمملكة في منطقة البحر الأحمر، كما ظلت السعودية شريكاً رئيسياً للسودانيين في مجالات الاستثمار والتنمية والعمل. لكن استمرار الحرب يفرض أسئلة جديدة حول الكلفة السياسية لأي انحياز يُنظر إليه على أنه اصطفاف مع أحد أطراف النزاع.
من هذا المنطلق، يرى كثيرون أن أي دعم يُفهم على أنه يرسخ استمرار المواجهة العسكرية قد يحمل انعكاسات تتجاوز الحسابات الآنية، ليؤثر في صورة المملكة لدى قطاعات من الرأي العام السوداني. فالمواطن الذي أنهكته الحرب لا يقيس مواقف الدول بقدر ما يقيس أثرها على فرص السلام ووقف نزيف الدم. وكلما طال أمد الصراع، ازداد الاعتقاد لدى بعض السودانيين بأن القوى الإقليمية القادرة على التأثير مطالبة بتوجيه جهودها نحو إنهاء الحرب، لا الاكتفاء بإدارة تداعياتها.
إن المصالح السعودية في السودان لا ترتبط بشخص أو حكومة، وإنما باستقرار دولة كاملة تطل على البحر الأحمر وتمثل ركناً مهماً في أمن الإقليم. ولذلك فإن الرهان على أي طرف بوصفه الضامن الوحيد لهذه المصالح قد يكون رهاناً محفوفاً بالمخاطر، لأن موازين القوى تتغير، بينما تبقى العلاقات بين الشعوب هي الضامن الأكثر استدامة.
كما أن استمرار الحرب يهدد بيئة الاستثمار، ويؤخر مشاريع التنمية، ويزيد من مخاطر عدم الاستقرار على ساحل البحر الأحمر، وهو ممر حيوي للتجارة الدولية وللأمن الإقليمي. ومن ثم، فإن تحقيق سلام مستدام في السودان قد يكون أكثر انسجاماً مع المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد من أي مكاسب سياسية قصيرة المدى.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن السعودية أعلنت في مناسبات عدة دعمها للحلول السياسية، واستضافت، إلى جانب شركاء دوليين، جولات تفاوض هدفت إلى وقف إطلاق النار وتخفيف المعاناة الإنسانية. وهذا يؤكد أن تقييم دورها يجب أن يستند إلى مجمل سياساتها وتحركاتها، لا إلى الانطباعات وحدها.
غير أن المرحلة الحالية تتطلب، في نظر كثير من المراقبين، انتقالاً أكثر وضوحاً نحو دعم مسار سلام شامل، بما يعزز صورة المملكة كوسيط إقليمي قادر على جمع الأطراف المتنازعة، لا كطرف يُفهم أنه يميل إلى أحدها. فمثل هذا الدور قد يحافظ على رصيدها لدى السودانيين، ويعزز مكانتها في معالجة أزمات المنطقة.
إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الوقود لإطالة الحرب، بل إلى إرادة إقليمية ودولية تدفع جميع الأطراف نحو تسوية تنهي القتال وتحفظ وحدة البلاد. وإذا كانت المملكة حريصة على مصالحها الاستراتيجية في السودان والبحر الأحمر، فإن الاستثمار في السلام، وفي استقرار الدولة السودانية ومؤسساتها، يبقى الخيار الأكثر قدرة على حماية تلك المصالح، والحفاظ على ما راكمته من رصيد تاريخي لدى الشعب السوداني.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.