نداء قانوني وإنساني عاجل لإنقاذ الطفولة السودانية من ويلات الحرب، وإعادة الاعتبار لحق الأطفال في الحياة والأمن والمستقبل والتقدم والازدهار

بقلم: أ. آدم راشد

في سلسلة مقالات «1»

أوقفوا تجنيد أطفال السودان قبل فوات الأوان

وسط أزيز الرصاص، وهدير المدافع، وصمت العالم الذي طال أمده، تتكشف في السودان واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوةً في العصر الحديث. فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تكتفِ بإزهاق أرواح الآلاف، وتشريد الملايين، وتدمير المدن والبنى التحتية، بل امتدت آثارها إلى ما هو أخطر من الخراب المادي؛ إذ أصابت مستقبل السودان في قلبه، عندما تحولت الطفولة نفسها إلى إحدى ساحات الصراع.

فالطفل السوداني، الذي كان ينبغي أن يحمل كتاباً لا بندقية، وأن يجلس في فصل دراسي لا في خندق قتال، أصبح في كثير من المناطق عرضةً للقتل، والتشريد، والجوع، والحرمان من التعليم، بل وللتجنيد والاستغلال في الأعمال العسكرية، وهي من أخطر الانتهاكات التي عرفها القانون الدولي المعاصر، لما تتركه من آثار نفسية واجتماعية وقانونية تمتد لعقود، ولا تقف عند حدود الجيل الحالي، بل تهدد أجيالاً كاملة.

إن تجنيد الأطفال لا يعني فقط ضمهم إلى القوات أو الجماعات المسلحة، وإنما يشمل أيضاً استخدامهم في الحراسة، ونقل الذخائر، وجمع المعلومات، والاستطلاع، والخدمات اللوجستية، والدعاية العسكرية، بل والاستغلال الجنسي والزواج القسري، وكلها صور من الاستغلال المحظور دولياً. فالطفل، في نظر القانون، ليس مورداً بشرياً للحرب، وإنما إنسان يتمتع بحماية خاصة، ويجب عزله عن النزاعات المسلحة، لا الزج به فيها.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الحروب التي يُستخدم فيها الأطفال لا تنتهي بانتهاء المعارك، وإنما تخلّف جيلاً يعاني من الصدمات النفسية، واضطرابات السلوك، والانقطاع عن التعليم، وفقدان الروابط الأسرية، وصعوبة الاندماج في المجتمع. ولهذا لم يعد تجنيد الأطفال مجرد قضية إنسانية، بل أصبح قضية تتعلق بالسلم والأمن الدوليين، وبالعدالة الانتقالية، وبمستقبل الدول الخارجة من النزاعات.

لماذا يمثل تجنيد الأطفال جريمة استثنائية؟

يتميز الطفل بمرحلة نمو جسدي وعقلي ونفسي تجعله أكثر عرضة للتأثر بالإكراه، والخداع، والاستغلال. ولهذا أولى المجتمع الدولي الأطفال حماية خاصة في جميع الظروف، وبصفة أشد أثناء النزاعات المسلحة.

ومن ثم، فإن تجنيد الأطفال لا يُعد مجرد مخالفة إدارية أو تجاوزاً أخلاقياً، بل هو انتهاك جسيم لحقوق الإنسان، وانتهاك لقواعد القانون الدولي الإنساني، وقد يرقى، بحسب ظروف كل حالة، إلى جريمة حرب تستوجب المساءلة الجنائية الفردية.

ولذلك لم تعد مسؤولية حماية الأطفال مسؤولية الأسرة وحدها، ولا الدولة وحدها، وإنما أصبحت مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع أطراف النزاع، والدول، والمنظمات الدولية، والمجتمع المدني، والمجتمع الدولي بأسره.

السودان بين الالتزامات القانونية والواقع المؤلم

لقد التزم السودان، مثل غيره من الدول، بجملة من الصكوك الدولية والإقليمية والوطنية التي تكفل حماية الأطفال من الاستغلال والتجنيد، وهذا التزام قانوني قائم.

فعلى المستوى الدولي، يشكل القانون الدولي الإنساني الإطار الأول لحماية الأطفال أثناء النزاعات المسلحة، إذ يفرض على جميع أطراف النزاع، سواء كانت قوات نظامية أو جماعات مسلحة غير حكومية، التزاماً باحترام المدنيين، ومنح الأطفال حماية خاصة، واتخاذ جميع التدابير الممكنة لمنع إشراكهم في الأعمال العدائية.

كما كرست اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 مبدأ الحماية الشاملة للطفولة، باعتبار الطفل صاحب حقوق أصيلة لا يجوز الانتقاص منها حتى في الظروف الاستثنائية. ثم جاء البروتوكول الاختياري بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة لعام 2000 ليشدد بصورة أكبر على ضرورة منع إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، وتعزيز التدابير الرامية إلى حمايتهم، وإعادة تأهيلهم، وإدماجهم.

وعلى المستوى الإقليمي، أكد الميثاق الأفريقي لحقوق ورفاه الطفل أن الأطفال في أفريقيا يستحقون حماية خاصة من آثار النزاعات المسلحة، وألزم الدول الأطراف باتخاذ التدابير التشريعية والإدارية اللازمة لمنع تجنيدهم أو استخدامهم في الأعمال العسكرية.

أما على المستوى الوطني، فقد تضمن قانون الطفل السوداني لسنة 2010 أحكاماً ترمي إلى حماية الأطفال من جميع أشكال الاستغلال والعنف، كما يفرض الدستور والالتزامات الدولية التي قبلها السودان واجب حماية الطفولة، باعتبارها مصلحة عامة تتقدم على الاعتبارات السياسية والعسكرية.

غير أن المأساة السودانية تكمن في اتساع الفجوة بين النصوص القانونية والواقع العملي. فالقوانين، مهما بلغت من الجودة، تفقد قيمتها عندما تنهار المؤسسات القادرة على تنفيذها، أو عندما تصبح مناطق واسعة من البلاد خارج السيطرة الفعلية لمؤسسات الدولة، أو عندما تُتهم أطراف النزاع نفسها بارتكاب الانتهاكات التي يفترض بها منعها.

فإذا ثبت أن أي مجموعة مسلحة قامت بتجنيد أطفال أو استخدامهم في الأعمال العسكرية، فإنها تتحمل المسؤولية المباشرة عن ذلك.

وهنا تبرز الحقيقة الأكثر إيلاماً: إن الأزمة ليست أزمة نقص في القواعد القانونية، وإنما أزمة انهيار في منظومة الحماية والرقابة والإنفاذ، وهي أزمة تجعل الطفل السوداني يواجه الحرب مجرداً من الضمانات التي كفلها له القانون الوطني والدولي.

في الجزء الثاني سأناقش أسئلة من قبيل: لماذا فشلت منظومة الحماية في السودان؟ ومن يراقب الدولة عندما تعجز أو تُتهم مؤسساتها بالانتهاكات؟ وما هو الدور العملي للمجتمع المدني والمنظمات الوطنية والدولية في الرصد والتوثيق، ومنع تجنيد الأطفال وحمايتهم؟ ثم نختتم في الجزء الثالث بتحليل قانوني، وتوصيات عملية، ونداء إنساني وقانوني قوي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.