إنه الانتحار الاستراتيجي لدولةٍ تبحث عن أمنٍ في مرآة العواصف
في زمنٍ تُعاد فيه رسم خرائط الشرق الأوسط بالدم والبترول والغطرسة، يقف السودان – ذلك الإقليم الممتد من مفازة الشمال إلى سهوب الجنوب – على حافة الانهيار الكامل. وفيما ينزف فيه الشعب السوداني دمًا وتاريخًا وهويةً، يبدو أن بعض جيرانه، بدلًا من أن يكونوا جسور عبور إلى السلام، قد تحولوا إلى وقودٍ يصب الزيت في نار الحرب. وفي مقدمة هؤلاء تأتي المملكة العربية السعودية، التي تبدو – للعين المجردة وللبصيرة المتأنية معًا – وكأنها تراهن على حصانٍ خاسر، فيما تغفل عن أن الرهان على البرهان ليس مجرد خطأ تكتيكي، بل هو انتحار استراتيجي قد يعيد إنتاج الفوضى على حدودها الغربية.
ليس خافيًا على المتابع أن المشهد السوداني اليوم يقوم على توازنٍ هشٍ من الكراهية والسلاح. فالبرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، يتبنى خطابًا عسكريًا صارخًا يتحدث فيه عن “تحرير الأراضي من بورتسودان إلى الجنينة”، بينما الواقع – كما يشير التحليل الدقيق – أن “نصف البلاد يقع عسكريًا تحت قبضة تحالف تأسيس”، وأن الجيش السوداني “محاصر داخل المدن في نطاق جغرافي ضيق”.
إنه مأزق حقيقي؛ فمن جهة، يتحدث البرهان بلغة المنتصر وهو في موقع المُحاصَر، ومن جهةٍ أخرى، يتجاوب مع المحور الأمريكي-السعودي يومين، ثم يتراجع تحت ضغط القوى الإسلامية المحيطة به. هذا ليس رجل دولة يملك مشروعًا وطنيًا، بل هو رهينة إرادة مزدوجة؛ إرادة نفسه المُحاصَرة، وإرادة الإسلاميين الذين يحركونه كالدمية.
وهنا يكمن السؤال المحير: هل في الرياض رجلٌ رشيدٌ ورث الحكمة عن أجداده الملوك؟ ألم يقرأوا التاريخ؟ ألم يدرسوا حال من راهنوا على أشخاص فقدوا المشروعية والقرار والواقعية؟ إن البرهان اليوم، بتراجعه المستمر ورفضه لأنصاف الحلول، يذكّر بـ”دولة 56″، تلك التجارب التي عاشت في وهم الحسم العسكري الكامل، وكانت قراراتها تُلغى في غرف الظلام.
السعودية اليوم بين مطرقة الضغط وسندان الصمت
تقف الرياض اليوم في موقفٍ لا يُحسد عليه عدو ولا صديق. فقد شكّلت مع أمريكا ومصر والإمارات “الرباعية”، وطرحت خطة هدنة لثلاثة أشهر، ليقابلها البرهان بالرفض الصارم، بحجة أنها “تستبعد الحكومة الحالية وقوات الدعم السريع”. وقد تدخل ترامب بناءً على طلبٍ من محمد بن سلمان، لكن دون جدوى.
إنها فكّا الكماشة التي تحدث عنها النور حمد: إذا ضغطت السعودية على البرهان بقوة، قالت القوى الإسلامية: “السعودية باعتنا”. وإذا سكتت، استمرت الحرب، واقتربت شراراتها من حدودها، وارتفعت أعداد اللاجئين، وتعاظمت الأزمة الإنسانية، بما ستكون له تداعيات على الأمن الإقليمي برمته.
أليس السلام – أيها السادة – أمنًا استراتيجيًا للسعودية؟ أليس استقرار السودان، ذلك البلد الممتد على البحر الأحمر والقريب من الحرمين، درعًا حاميًا للأمن القومي السعودي؟ فكيف تُقدم الرياض على سياسةٍ تُبقي نار الحرب متقدة، وتُبعد أي أفق للحل السياسي؟
الأطماع الإقليمية: من حلايب إلى جبل العقيدات
لعل السؤال الأكثر إيلامًا – والأكثر إلحاحًا – هو: هل للسعودية أطماع في أرض السودان؟ إن التاريخ لا يُنسى. فمصر، التي تُصنّع نفسها وسيطًا في الأزمة السودانية، هي نفسها التي احتلت حلايب وشلاتين السودانيتين، وهي نفسها التي ضربت المُعدّنين في جبل العقيدات، وهي نفسها التي استخدمت مسيّراتها لتقتل المواطن السوداني في المدن والتجمعات السكانية والقرى والفِرقان بولايات دارفور.
إن كان الاحتلال المصري لحلايب وشلاتين درسًا في الجغرافيا السياسية، فإن استخدام المسيّرات المصرية لقصف المدنيين في دارفور هو درسٌ في الإبادة الجماعية المُتَوَسَّطة. فكيف تُراقب السعودية هذا المشهد، ثم تُصرّ على رهانٍ يُبقي السودان ساحةً للتجريب والتقسيم؟
إن السودان اليوم ليس مجرد بلد يعيش حربًا أهلية، بل هو إقليم استراتيجي يتصارع عليه الجميع. وإذا كانت السعودية تظن أن الرهان على البرهان سيحصّن نفوذها، فإنها تغفل عن أن انهيار “دولة 56″ – تلك الدولة المبنية على الأوهام العسكرية والإسلاموية الضيقة – سينقل العدوى إلى الجوار. فالفوضى لا تعرف حدودًا، واللاجئون لا يحملون جوازات سفر، والسلاح المتطاير لا يسأل عن الجنسية قبل أن يُطلق النار.
لقد نصح مبارك الفاضل البرهان بـ”تجاوز الارتهان لمخططات حلفائه من الإسلاميين”، لكن البرهان – كما يبدو – أصمّ أذنيه. وهنا يجب أن تدرك السعودية أن الحل ليس في الضغط على رجل فقد القرار، ولا في انتظار معجزة عسكرية لم ولن تحدث.
الحل – كما يقول المنطق، وكما يُجمع عليه أصحاب الرؤية الوطنية – يكمن في ثلاثة محاور:
أولًا: لا رهان على أشخاص؛ لا البرهان ولا حميدتي. الرهان يجب أن يكون على مشروع وطني سوداني يجمع كل الأطراف على قاعدة المواطنة المتساوية.
ثانيًا: لا حسم عسكري؛ فـ”نصف البلد” – كما يقول النور حمد – بيد طرفٍ آخر. والحسم العسكري في هذه الظروف ليس انتصارًا، بل هو تقسيم مُعلن للسودان.
ثالثًا: هدنة الرباعية لثلاثة أشهر هي المدخل الوحيد، حتى وإن رفضها البرهان اليوم. فالضغط الدولي المستمر، المقترن ببناءٍ من تحت، هو السبيل الوحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
إن “بناء مرتكزات الوطن” – كما اقترح في سياقات سابقة – يعني إنشاء مراكز تدريب، وإحياء الاقتصاد المحلي، وحماية الأرشيف الوطني، ودعم المؤسسات المدنية التي ستكون نواة “السودان الجديد”. هذا هو المشروع الذي يستحق الرهان، لا رهانًا على أشخاص يعيشون في وهم الانتصار، بينما الواقع يحاصرهم.
إن السعودية، بحجمها وثقلها الإقليمي وموقعها الديني، قادرة – إن أرادت – على أن تكون راعية سلام حقيقية، لا مجرد وسيط يُروّض للفشل. لكن ذلك يتطلب رجلًا رشيدًا يقرأ التاريخ، ويفهم الجغرافيا، ويدرك أن أمن الجوار ليس هبة من أحد، بل هو استثمار في المستقبل.
فهل من راشد في قصر الرياض؟ أم أن “دولة 56” ستُسقط الجميع في هاوية الانتحار الاستراتيجي، ويأتي اليوم الذي تصبح فيه السعودية نفسها في مرمى الموجة التي سمحت لها بالتكاثر؟
السؤال يبقى مفتوحًا، والدم السوداني يبقى ينزف، والتاريخ ينتظر من يكتب صفحةً لا تخجل منها الأجيال.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.