في السودان، قد تُعاد صياغة الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتُكتب الوثائق السياسية بأسماء جديدة، لكن سؤال الشرعية يظل أكثر تعقيداً من أن يُحسم بمرسوم أو تشكيل وزاري. فالشرعية، في نهاية المطاف، لا تُصنع داخل المكاتب المغلقة، وإنما تُكتسب من قبول المواطنين وقدرة السلطة على الاستجابة لتطلعاتهم.
في الأشهر الأخيرة، تصاعدت التحليلات التي تتحدث عن ترتيبات سياسية قد تمنح قيادة الجيش مساحة لإعادة تشكيل المشهد السياسي عبر حكومة جديدة أو هياكل انتقالية مختلفة. ويرى أصحاب هذا الرأي أن مثل هذه الخطوات قد تُقدَّم باعتبارها مدخلاً لاستعادة الشرعية وإنهاء حالة الفراغ السياسي، بينما يعتقد منتقدوها أنها لن تكون كافية إذا لم تقترن بعملية سياسية واسعة تحظى بقبول مختلف القوى السودانية.
لقد غيّرت الحرب ملامح السودان، لكنها لم تمحُ من الذاكرة الجمعية مطالب قطاعات واسعة من السودانيين في بناء دولة تقوم على سيادة القانون، والمشاركة السياسية، والمساءلة، وتداول السلطة. ولهذا فإن أي مشروع سياسي جديد سيجد نفسه أمام اختبار صعب: هل يعالج جذور الأزمة، أم يكتفي بإعادة إنتاج توازنات قديمة بأدوات جديدة؟
ويعتقد كثير من المراقبين أن الأزمة السودانية تجاوزت منذ زمن مسألة تشكيل الحكومات، لتصبح أزمة ثقة بين مؤسسات الدولة وقطاعات من المجتمع. وهذه الثقة لا تُستعاد بإعلانات سياسية فقط، بل تحتاج إلى إجراءات ملموسة، تبدأ بوقف الحرب، وحماية المدنيين، وتهيئة بيئة تسمح بحوار سياسي شامل لا يُقصي أحداً.
لقد دفعت الحرب السودانيين إلى أثمان باهظة؛ مدن دُمرت، وملايين نزحوا، واقتصاد يواجه تحديات غير مسبوقة، وخدمات أساسية تراجعت بصورة حادة. وفي ظل هذه الوقائع، يبدو أن المواطن بات ينظر إلى أي مشروع سياسي من زاوية واحدة: هل يوقف الحرب ويحسن حياته، أم يضيف فصلاً جديداً إلى الأزمة؟
كما أن التجربة السودانية خلال السنوات الماضية أظهرت أن أي محاولة لبناء شرعية سياسية لا تستند إلى توافق واسع تبقى عرضة للطعن والرفض. فالاستقرار المستدام لا يتحقق بمجرد إعادة ترتيب مراكز السلطة، وإنما عبر مؤسسات تحظى بالثقة، وقواعد دستورية واضحة، وعملية سياسية تستوعب التنوع السوداني.
ويبقى الإرث الذي تركته ثورة ديسمبر حاضراً في النقاش العام بوصفه أحد أبرز التحولات السياسية في تاريخ السودان الحديث. فبالنسبة لكثير من السودانيين، لم تكن الثورة مجرد حدث عابر، بل تعبيراً عن تطلعات إلى إصلاح مؤسسات الدولة وتعزيز المشاركة المدنية. ومن ثم، فإن أي ترتيبات مستقبلية ستظل موضع تقييم على ضوء مدى اقترابها أو ابتعادها عن تلك التطلعات.
وفي النهاية، فإن مستقبل السودان لن تحدده أسماء الحكومات ولا الشعارات التي ترفعها، بل قدرتها على تحقيق السلام، واستعادة الثقة، وبناء مؤسسات تستمد مشروعيتها من التوافق الوطني وسيادة القانون. أما الشرعية الحقيقية، فهي تلك التي تنشأ من إرادة المواطنين، لا من موازين القوة وحدها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.