إلى أين يقود الإخوان ما تبقى من الدولة السودانية؟

تيسير المبارك

 

لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، بل تحولت إلى أزمة وجودية تهدد ما تبقى من مؤسسات الدولة، وتدفع ملايين السودانيين إلى حياة لا تشبه سوى المنافي والمخيمات. وبينما تتواصل المعارك، تتسع دائرة النازحين واللاجئين، وتتراجع الخدمات، ويزداد الشعور بأن الخاسر الأكبر هو المواطن الذي وجد نفسه وحيداً في مواجهة الحرب والجوع والمرض.

وفي خضم هذا المشهد، تتصاعد اتهامات من قوى سياسية وفاعلين سودانيين للحركة الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين بالسعي إلى استعادة نفوذها عبر استمرار الصراع وإفشال فرص التسوية السياسية. ويرى أصحاب هذه الاتهامات أن إطالة أمد الحرب أضعفت مؤسسات الدولة، وعمّقت الانقسام المجتمعي، ودفعت البلاد إلى مزيد من العزلة الاقتصادية والسياسية. وفي المقابل، تنفي أطراف محسوبة على الحركة هذه الاتهامات وتقدم روايات مغايرة بشأن أسباب الصراع ومسؤولياته.

لكن بعيداً عن الجدل السياسي، فإن الوقائع الإنسانية تتحدث بصوت أعلى. فالملايين اضطروا إلى مغادرة منازلهم، وتحولت المدارس إلى مراكز إيواء، وامتلأت مخيمات النزوح بالأسر التي فقدت مصادر رزقها وأصبحت تعتمد على المساعدات الإنسانية. كما يواجه اللاجئون في دول الجوار تحديات كبيرة تتعلق بالإقامة والعمل والتعليم والرعاية الصحية، وسط ضغوط متزايدة على المجتمعات المستضيفة والمنظمات الإنسانية.

ولم يعد النزوح مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل أصبح رحلة طويلة من عدم اليقين. أطفال انقطعت صلتهم بالمدارس، وأمهات يبحثن عن الدواء والغذاء، وشباب فقدوا فرص العمل والمستقبل. ومع كل يوم تستمر فيه الحرب، تتضاءل فرص العودة الآمنة، وتتعمق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي ستحتاج إلى سنوات لمعالجتها.

إن أخطر ما تتركه الحروب ليس الدمار المادي وحده، وإنما تآكل مؤسسات الدولة. فعندما تتعطل المدارس، وتضعف المنظومة الصحية، وتتراجع الإدارة العامة، يصبح ترميم الدولة أكثر صعوبة من إعادة بناء الطرق والجسور. وهذا ما يثير مخاوف واسعة من أن السودان قد يواجه تحديات طويلة الأمد في استعادة مؤسساته وقدرتها على تقديم الخدمات للمواطنين.

كما أن استمرار النزاع ينعكس على مكانة السودان الإقليمية، ويؤثر في اقتصاده وعلاقاته الخارجية، ويزيد من تعقيد جهود إعادة الإعمار. وكلما طال أمد الحرب، ارتفعت فاتورة الخسائر الإنسانية، وازدادت معاناة الأسر التي تنتظر نهاية لهذا الكابوس.

إن السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، ويضع حماية المدنيين في مقدمة الأولويات، ويهيئ الطريق أمام عودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم في ظروف آمنة وكريمة. فبقاء ملايين السودانيين بين مخيمات النزوح وحدود اللجوء ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة لأزمة لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إلى أين تمضي البلاد إذا استمرت الحرب، واستمرت معها حالة الانقسام والتدهور الإنساني؟ الإجابة لن يصنعها السلاح، وإنما إرادة سياسية تضع مصلحة السودان فوق كل الحسابات، وتمنح المواطنين أملاً في استعادة وطن أنهكته الحرب وأثقلته المآسي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.