الكباشي وبولس.. مفاوضات سرية أم مناورة سياسية؟

تقرير: عين الحقيقة

في ظل تعقيدات ميدانية متسارعة وتطورات عسكرية متلاحقة، عاد الحراك الدبلوماسي المتعلق بالأزمة السودانية إلى واجهة المشهد، بعد تقارير تحدثت عن لقاء جمع نائب القائد العام للجيش السوداني، الفريق أول شمس الدين الكباشي، بمساعد الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مسعد بولس، في مدينة العلمين المصرية.

وأثار اللقاء، الذي لم تُعلن تفاصيله رسميًا، تساؤلات بشأن دلالاته السياسية، وما إذا كان يمثل بداية لتحرك جاد نحو وقف الحرب، أم يندرج ضمن محاولات إدارة الصراع وكسب الوقت في ظل المتغيرات العسكرية.

ضغوط ميدانية

يتزامن هذا الحراك مع تحديات ميدانية تواجه الجيش السوداني، في أعقاب معارك شهدت تقدمًا لقوات الدعم السريع في عدد من المحاور، بحسب تقارير ميدانية.

وتتجه الأنظار إلى مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، بعد تداول معلومات عن حشود عسكرية في محيط المدينة، الأمر الذي يثير مخاوف من اتساع نطاق العمليات العسكرية، ويزيد الضغوط على الأطراف المنخرطة في النزاع.

شروط التفاوض

ورغم الحديث عن تحركات دبلوماسية، لا تزال مواقف الأطراف متباعدة. فقد أفادت تقارير نشرتها وكالة رويترز بأن الجيش السوداني يتمسك بانسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمناطق التي تسيطر عليها بوصفه شرطًا أساسيًا للمضي في أي تسوية سياسية، وهو ما يراه مراقبون سقفًا تفاوضيًا مرتفعًا قد يعقّد فرص التوصل إلى اتفاق في المدى القريب.

جدل حول موقف الإسلاميين

في المقابل، يربط عدد من المحللين مسار المفاوضات بمواقف قوى محسوبة على النظام السابق والحركة الإسلامية، معتبرين أن هذه القوى لعبت أدوارًا مؤثرة في التعامل مع المبادرات السياسية السابقة، بما في ذلك منبر جدة، وتفاهمات المنامة، وغيرها من المساعي الإقليمية والدولية.

وتذهب بعض التحليلات إلى أن تراجع فرص الحسم العسكري قد يدفع هذه القوى إلى تأييد تسوية سياسية تضمن استمرار نفوذها في المشهد، بينما يرى آخرون أن هذا الطرح يظل محل خلاف سياسي واسع.

الكباشي والبرهان.. هل يتحركان برؤية واحدة؟

أثار لقاء العلمين نقاشًا حول طبيعة العلاقة بين تحركات الكباشي والموقف الرسمي للقيادة العسكرية، وما إذا كانت تلك التحركات تعكس توجهًا مؤسسيًا أم مبادرات منفصلة.

وفي هذا السياق، قال القيادي بحزب الأمة (جناح مبارك الفاضل)، محمد الماحي، إن لقاء الكباشي في العلمين جرى “بعلم وتنسيق كامل مع البرهان والدولة المضيفة (مصر)”، معتبرًا أن الحديث عن تحرك منفرد لا يستند إلى معطيات، وفق تعبيره.

من جانبه، رأى الصحفي والمحلل السياسي عبد الجليل عوض أن اللقاءات والتفاهمات السياسية السابقة، بما فيها لقاء القاهرة وتفاهمات المنامة، لم تكن لتتم من دون موافقة رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

وأضاف أن الكباشي، رغم إدارته للملف بمنظور عسكري، لا يمكن أن يقدم على خطوات تفاوضية من وراء قيادة الجيش، معتبرًا أن مثل هذا السيناريو غير واقعي، بحسب تقديره.

مشهد مفتوح

وبين الضغوط العسكرية المتزايدة والجهود الدبلوماسية المستمرة، تبدو فرص التسوية السياسية مرتبطة بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، في وقت لا تزال فيه شروط التفاوض متباعدة، وتتعقد فيه الحسابات الداخلية والإقليمية.

 

وفي ظل غياب مؤشرات حاسمة، يبقى لقاء العلمين أحد أبرز التطورات السياسية الأخيرة، لكنه وحده لا يكفي للحكم على مسار الأزمة، التي لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة، تتراوح بين استئناف مسار تفاوضي جاد واستمرار المواجهات العسكرية.

وفي ضوء ما سبق، يظل لقاء العلمين مؤشرًا على استمرار قنوات التواصل بين الأطراف الدولية والقيادة العسكرية السودانية، لكنه لا يمثل، في حد ذاته، دليلًا على اقتراب تسوية سياسية. وبين تعقيدات الميدان، وتباين مواقف الأطراف، وتشابك الحسابات الداخلية والإقليمية، يبقى مستقبل الحرب مرهونًا بمدى استعداد الفاعلين لتقديم تنازلات تفتح الطريق أمام عملية سياسية قابلة للاستمرار، وتنهي صراعًا ألقى بظلاله على السودان لأكثر من ثلاثة أعوام.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.