الألّمِي خنق القنطور… وشارف قوس الصبر على الانكسار… شرط البرهان المستحيل

 الصادق حمدين

 

ليس كل ما يُرفع شعاراً للسلام يقود إليه، فثمة شروط تُولد وفي أحشائها نقيضها، وتُرفع على منابر السياسة وهي تحمل في جوهرها حكماً مؤجلاً باستمرار الحرب.

وما أكثر الشعارات التي تتزين بمفردات السلام بينما تُسدّ كل الطرق المؤدية إليه.

في بلادنا المنكوبة بجنرالاتها، لم تعد المعضلة في غياب الوسطاء، ولا في ندرة المبادرات، ولا في فقر الأفكار.

العقدة الحقيقية تكمن في الشروط التعجيزية التي تُوضع قبل أن يُفتح باب الحوار؛ شروط تبدو، في ظاهرها، دعوة إلى التفاوض، لكنها في حقيقتها تجعل التفاوض رابع الغول والعنقاء والخل الوفي.

كلما تبدلت خرائط الميدان تبدلت الشروط، لكن النتيجة ظلت ثابتة: لا مفاوضات ولا توجد شبكة لملئها لأن الحشاش نفسه قد مات.

بالأمس كان المطلوب إخلاء منازل المواطنين في الخرطوم قبل بدء الحوار.

واليوم أصبح المطلوب إخلاء المدن التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض.

وغداً، إذا تغيرت موازين القوى مرة أخرى، فهل سيولد شرط جديد؟

وهل سيكون شرط البرهان الجديد يجب أن يرجع عرب الشتات من حيث أتوا؟

وهل سيظل السلام السراب يبتعد كلما اقترب؟

إن السياسة ليست امتحاناً في المثالية، بل فن إدارة الوقائع كما هي، لا كما نتمناها.

والحروب لا تنتهي عندما يقرر أحد أطرافها أن الآخر يجب أن يختفي أولاً، وإنما تنتهي عندما يصل الجميع إلى قناعة بأن استمرارها صار أفدح كلفة من التسوية السياسية.

أما أن يُطلب من طرف في قلب معركة مفتوحة أن يتنازل مسبقاً عن أهم مواقع نفوذه قبل أن تبدأ المفاوضات، فإن السؤال المنطقي يفرض نفسه: إذا تحقق ذلك، فما الحاجة أصلاً إلى التفاوض؟

وماذا بقي ليتفاوض عليه؟

إن التفاوض ليس وثيقة استسلام، ولا شهادة انتصار، بل هو اعتراف متبادل بأن الحرب، مهما طال أمدها، لن تمنح الوطن ما حرمته منه البنادق.

لكن يبدو أن بعض الخطاب السياسي ما زال يراهن على معادلة لا يعترف بها التاريخ؛ معادلة تقول إن السلام لا يبدأ إلا بعد أن يحقق طرف كل ما يريد.

وهذه ليست وصفة لإنهاء الحرب، بل وصفة لإطالة أمدها.

وفي الأثناء، لا أحد يسأل الوطن عن رأيه.

الوطن الذي أنهكته الحرب، وأثقلته الهجرة والنزوح، واستنزفته سنوات القتال، لا يعنيه كثيراً من يربح جولة عسكرية أو يخسر أخرى، بقدر ما يعنيه أن يستعيد أبناءه حياتهم، وأن ترن أجراس المدارس، وتفتح المستشفيات أبوابها، ويأمن الناس على أرزاقهم ومستقبل أطفالهم.

لقد أصبحت معاناة السودانيين أكبر من أن تُختزل في بيانات النصر والهزيمة.

فالخراب لا يفرّق بين مؤيد ومعارض، والجوع لا يسأل عن الانتماءات، والخوف لا يعرف الاصطفافات السياسية.

وكل يوم يتأخر فيه الحوار هو يوم جديد يُضاف إلى دفتر الفقد الوطني.

إن السلام الحقيقي لا يولد من سقوفٍ يستحيل بلوغها، بل من أرضية مشتركة، مهما كانت ضيقة، يمكن البناء عليها.

أما رفع السقف إلى حد يستحيل معه اللقاء، فليس سياسة بقدر ما هو إطالة لأمد المأساة.

التاريخ لا يخلّد الذين أحسنوا صناعة الخصومات، وإنما يخلّد الذين امتلكوا شجاعة الخروج منها.

ولا يذكر القادة بعدد الشروط التي وضعوها، بل بعدد الحروب التي نجحوا في إنهائها.

لقد آن للسودان أن يتحرر من أسر المعادلات الصفرية؛ تلك التي لا ترى في الوطن إلا ساحة لامتحان الإرادات، ولا ترى في السلام إلا ثمرة لنصرٍ كامل.

فالأوطان لا تُدار بهذا المنطق، لأن المنتصر في الحرب قد يجد نفسه حاكماً لبلاد أنهكها الخراب، والخاسر قد يبقى جزءاً من واقع لا يمكن محوه بالشعارات.

السودان اليوم لا يحتاج إلى شروط أعلى، بل إلى إرادة أوسع.

لا يحتاج إلى رفع المتاريس أمام الحوار، بل إلى فتح النوافذ التي يتسلل منها الأمل.

فكل شرط يُغلق باب التفاوض يفتح، في المقابل، باباً جديداً للموت، والنزوح، والانقسام.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على الجميع، قبل أن يجيب عليه التاريخ: هل المطلوب حقاً هو الوصول إلى السلام، أم الوصول إلى شروط تجعل السلام مستحيلاً؟

ذلك هو السؤال…

وما عداه تفاصيل لا تلفت أهتمام من يتلقى طعامه من التكايا ويعالج أمراضه بالشريا والقرض وبوخة اللعوت.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.