ما يجري اليوم من جدل حول الوثيقة المتداولة الخاصة بترتيبات الحكم في المرحلة المقبلة يعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا: ماذا يبقى للحلفاء عندما تتغير أولويات السلطة؟ نفى الفريق أول عبد الفتاح البرهان أن تكون الوثيقة المتداولة مشروعًا نهائيًا لإدارة المرحلة المقبلة، مؤكدًا أنها مجرد مسودة للنقاش والتفاكر مع القوات المشتركة. لكن هذا النفي لم يبدد المخاوف لدى كثير من المتابعين، بل زاد التساؤلات حول ما إذا كانت تلك المشاورات ستقود إلى شراكة حقيقية، أم أنها مجرد محطة تسبق اتخاذ قرارات صيغت ملامحها بالفعل.
وتأتي هذه الشكوك في ظل أحاديث سياسية متزايدة عن إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، وإمكانية تقليص دور الحركات المسلحة التي أصبحت جزءًا من المعادلة بعد توقيع اتفاق جوبا للسلام، ثم بعد مشاركتها إلى جانب الجيش في الحرب الدائرة.
بالنسبة للحركات المسلحة، كانت لحظة إعلان التخلي عن الحياد والانضمام إلى الجيش نقطة تحول مفصلية. فقد رأت أن المشاركة العسكرية ستمنحها موقعًا مؤثرًا في رسم مستقبل البلاد، وتحافظ على المكاسب السياسية التي حصلت عليها عبر اتفاق جوبا. غير أن التطورات اللاحقة دفعت بعض المراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت تلك التقديرات قد بالغت في قراءة طبيعة التحالفات القائمة.
فإذا كانت الترتيبات المقبلة ستفضي فعلًا إلى حكومة يقل فيها تمثيل الحركات المسلحة أو يتراجع تأثيرها السياسي، فإن ذلك سيعني أن مرحلة جديدة بدأت تختلف عن تلك التي فرضتها ظروف الحرب. وفي هذه الحالة، سيكون من الطبيعي أن تعيد تلك الحركات تقييم موقعها وخياراتها السياسية.
كما يثير الجدل الدائر قضية أوسع تتعلق بمستقبل اتفاق جوبا نفسه. فالسلام لا يقاس فقط باستمرار المناصب، وإنما باستمرار الالتزام بالاستحقاقات السياسية التي قامت عليها الاتفاقية. وأي تغيير جوهري في تلك الاستحقاقات سيعيد فتح نقاش واسع حول مستقبل الشراكة بين الدولة والحركات المسلحة.
وفي المقابل، لا توجد حتى الآن معلومات رسمية تؤكد الشكل النهائي لأي ترتيبات سياسية مقبلة، كما لم تُعلن الحكومة بصورة رسمية عن إقرار الوثيقة المتداولة أو اعتمادها بصيغتها المتداولة. لذلك، فإن كثيرًا من الاستنتاجات المتداولة تبقى في إطار التحليل السياسي لا الوقائع المؤكدة.
يبقى السؤال المطروح اليوم: هل تستطيع الحركات المسلحة الحفاظ على موقعها داخل معادلة الحكم عبر التفاوض السياسي، أم أن المشهد يتجه نحو إعادة توزيع الأدوار وفق موازين جديدة فرضتها الحرب؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل القوى المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، بل قد ترسم أيضًا ملامح المرحلة السياسية القادمة في السودان، في وقت لا تزال فيه البلاد تبحث عن صيغة تنهي الحرب وتؤسس لاستقرار مستدام.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.