جذوة ديسمبر لا تنطفئ.. والسودانيون لن يمنحوا الماضي فرصة جديدة

نورا عثمان

قد تتبدل الحكومات، وتتغير التحالفات، وتتعاقب الأزمات، لكن هناك لحظات في تاريخ الشعوب تظل أكبر من السياسة وأقوى من السلاح. وثورة ديسمبر في السودان كانت واحدة من تلك اللحظات التي أعادت تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، ورسخت لدى أجيال كاملة قناعة بأن إرادة الناس قادرة على كسر أكثر الأنظمة رسوخًا.
لم تكن ديسمبر مجرد احتجاجات على ضيق المعيشة أو تراجع الاقتصاد، بل كانت رفضًا لمشروع حكم كامل، تشكل عبر سنوات طويلة من هيمنة الحزب الواحد، وتداخل السياسة مع مؤسسات الدولة، وإقصاء المخالفين، وتقييد الحريات. ولذلك فإن الثورة، في وجدان كثير من السودانيين، لم تكن موجهة ضد أشخاص بقدر ما كانت ضد نموذج في الحكم.
واليوم، ومع استمرار الحرب وتعقيد المشهد السياسي، تبرز محاولات متعددة لإعادة رسم الخريطة السياسية السودانية. لكن يبقى السؤال حاضرًا: هل يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء؟
في تقديري، فإن الإجابة تكمن في الوعي الذي صنعته ديسمبر. فالثورات لا تُقاس فقط بما تحققه من مكاسب آنية، وإنما بما تتركه من أثر في الوعي الجمعي. وهذا الوعي هو الذي يجعل قطاعات واسعة من السودانيين أكثر حساسية تجاه أي مشروع يُنظر إليه على أنه يعيد إنتاج أنماط الحكم التي ثاروا عليها.
قد تختلف القوى المدنية، وقد تتنافس الأحزاب، وقد تتباين الرؤى حول كيفية إنهاء الحرب وإدارة المرحلة الانتقالية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود توافق على إعادة إنتاج تجارب الماضي. فالنقاش السياسي اليوم يدور في فضاء مختلف، تشكل بعد سنوات من الاحتجاجات والتضحيات، وأصبح أكثر ارتباطًا بمطالب بناء مؤسسات دولة تقوم على سيادة القانون والمساءلة والتداول السلمي للسلطة.
لقد دفعت الأسر السودانية أثمانًا باهظة، من دماء أبنائها، ومن استقرارها، ومن أحلام شبابها. وهذه التضحيات جعلت كثيرين ينظرون إلى مستقبل البلاد باعتباره مسؤولية جماعية لا تحتمل العودة إلى السياسات التي يرون أنها أسهمت في إنتاج الأزمات.
ومن هنا، فإن أي مشروع سياسي يسعى إلى كسب ثقة السودانيين سيكون مطالبًا بتقديم إجابات واضحة عن أسئلة الدولة المدنية، والعدالة، والمحاسبة، وإصلاح المؤسسات، وإنهاء الحرب، بدلاً من الاكتفاء بإعادة تدوير الشعارات القديمة أو استحضار تجارب سبق أن كانت محل جدل واسع.
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب قد تتعثر، لكنها لا تنسى بسهولة. وما زرعته ديسمبر في الوعي السوداني لن تمحوه سنوات الحرب ولا تعقيدات السياسة. فقد أصبحت الثورة، بالنسبة لكثيرين، مرجعية أخلاقية وسياسية تُقاس بها المواقف، ويُختبر بها صدق المشاريع المطروحة للمستقبل.
إن السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جامع، لا يستند إلى استدعاء الاستقطابات القديمة، ولا إلى إعادة إنتاج الانقسامات التي أرهقت البلاد، بل إلى بناء عقد سياسي جديد يفتح الباب أمام دولة تستوعب جميع مواطنيها على أساس الحقوق المتساوية وسيادة القانون.
قد تختلف الطرق المؤدية إلى هذا الهدف، لكن ما يبدو ثابتًا في نظر قطاع واسع من السودانيين هو أن المستقبل لن يُبنى بتكرار تجارب الماضي، وإنما بالاستفادة من دروسه، حتى تظل جذوة ديسمبر حاضرة في الذاكرة الوطنية، لا بوصفها حدثًا عابرًا، بل باعتبارها محطة فارقة في تاريخ السودان الحديث.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.