حين تدخل الحرب عامها الرابع، لا يعود السؤال: متى ستتوقف؟ بل يصبح: من الذي يريد لها أن تستمر؟ فالحروب لا تعيش كل هذا الزمن بالصدفة، وإنما لأن هناك من يراها استثمارًا سياسيًا واقتصاديًا، ومصدرًا لإعادة إنتاج النفوذ والسلطة.
السودان اليوم يدفع الثمن الأكبر. ملايين النازحين، اقتصاد يترنح، مدن تحولت إلى أنقاض، وأجيال كاملة فقدت حقها في التعليم والاستقرار. وفي المقابل، لا يبدو أن جميع الأطراف المتصارعة تدفع الكلفة ذاتها، إذ توجد جهات تستفيد من استمرار النزاع أكثر مما تستفيد من السلام.
وسط هذا المشهد، تتجه أصابع الاتهام من قبل عدد من القوى السياسية والمراقبين إلى الحركة الإسلامية السودانية وجماعة الإخوان المسلمين، باعتبارهما من أكثر الأطراف التي يُنظر إليها على أنها ترى في استمرار الحرب فرصة لإعادة التموضع السياسي بعد أن فقدت السلطة عقب ثورة ديسمبر 2018.
ويستند هذا الاتهام إلى أن خطاب التعبئة الدينية والتحريض الإعلامي الذي برز خلال الحرب، أعاد إلى الأذهان الأساليب التي استخدمها نظام الإنقاذ لعقود في تجييش المجتمع تحت شعارات دينية وسياسية. كما يرى منتقدو الحركة الإسلامية أن استمرار المواجهات يمنحها مساحة أكبر للعودة إلى مؤسسات الدولة أو التأثير في مراكز القرار، مستفيدة من حالة الطوارئ والاستقطاب الحاد.
وبغض النظر عن مدى صحة هذه الاتهامات أو مسؤولية كل طرف عنها، فإن المؤكد أن أي خطاب يرفض التسوية السياسية ويُصوّر الحرب باعتبارها الخيار الوحيد، يساهم عمليًا في إطالة أمد الصراع وتعميق المأساة الإنسانية.
إن من يرفع شعار “الحسم العسكري” بعد كل هذه السنوات، مطالب بتقديم إجابة صريحة للسودانيين: ماذا كانت حصيلة هذا الحسم؟ وهل اقتربت البلاد من الاستقرار، أم ازدادت انقسامًا ودمارًا؟ فالوقائع على الأرض تشير إلى أن الحرب لم تحسم شيئًا، بل وسّعت رقعة الانهيار، وعمّقت الأزمة الاقتصادية، ودفعت ملايين المواطنين إلى النزوح واللجوء.
الأخطر أن استمرار الحرب خلق اقتصادًا جديدًا قائمًا على السلاح والتهريب والجبايات والاستفادة من اقتصاد الطوارئ، وهو واقع يجعل بعض أصحاب المصالح أقل حماسًا لوقف القتال، لأن السلام بالنسبة لهم يعني خسارة امتيازات راكموها خلال سنوات الحرب.
ولذلك، فإن المستفيد الحقيقي ليس المواطن السوداني، ولا الدولة، ولا مستقبل البلاد. المستفيد هو كل من يرى في الفوضى وسيلة للبقاء، وفي استمرار النزاع فرصة لتعزيز نفوذه السياسي أو العسكري أو الاقتصادي.
لقد أثبتت التجارب أن الأوطان لا تُبنى بالبندقية وحدها، وأن الحروب مهما طال أمدها تنتهي إلى طاولة تفاوض، لكن بعد أن تكون قد استنزفت الأرواح والثروات وأهدرت سنوات من عمر الشعوب. والسودان ليس استثناءً من هذه القاعدة.
إن الواجب الوطني اليوم يقتضي تقديم مصلحة السودان على حساب الحسابات الحزبية والتنظيمية، والبحث عن مخرج سياسي يوقف نزيف الدم ويحفظ ما تبقى من مؤسسات الدولة. كما يقتضي فتح تحقيقات مستقلة وشفافة في الانتهاكات، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في تأجيج الحرب أو التحريض عليها أو عرقلة جهود السلام، أيًا كان انتماؤه السياسي أو العسكري.
فالتاريخ لا يرحم من يراهن على خراب وطنه، والشعوب لا تنسى من جعل من الحرب طريقًا للسلطة. أما السودان، فقد آن له أن ينتصر للحياة، لا لاستمرار المعركة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.