البرهان واختطاف الميكروفون: سؤال الكاريزما الغائبة

الصادق حمدين

 

ليست الكاريزما أن تدخل المكان فيصفق لك الناس لأنك صاحب أعلى رتبة فيه، وليست أن تمتلك الميكروفون فتستعمله متى شئت. الكاريزما الحقيقية هي أن ينتظر الناس كلامك لأنهم يرون فيك شيئاً يتجاوز المنصب والرتبة والسلطة.

وهنا تحديداً تبدو مشكلة الجنرال التائه في حيرته عبد الفتاح البرهان. فالرجل يمتلك موقعاً بالغ القوة، ويحضر بصفته المالك لأدوات البطش وقائداً للجيش وتوابعه من ميلشيات وكتائب موت، لكن امتلاك أدوات البطش لا يعني بالضرورة امتلاك الحضور الكاريزمي. بل إن الفارق بين الاثنين يظهر بوضوح حين يتطفل “مقتحم” عالم السياسة، على فضاء لم يُنشأ أصلاً ليكون منبراً سياسياً، ثم يحوّل المناسبة إلى مساحة للحديث عن السلطة ومهاجمة الخصوم والجأر بالشكوى من الضغوط الخارجية.

في 26 سبتمبر، اقتحم البرهان استاد الخرطوم الرياضي الذي تجمع به حشد من الشباب خلال فعالية غنائية لدعم القطاع الصحي، لكنه سرعان ما نقل المناسبة إلى سياق سياسي، متحدثاً عن رفض الضغوط الأميركية وأزمة تأشيرته لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومؤكداً في لغة صدامية تنم عن التحدي الأجوف أن السودان لا يحتاج إلى تأشيرة ولا إلى إذن من أحد.

المفارقة هنا ليست في مضمون موقفه من الولايات المتحدة، فمن حق أي مسؤول أن يرفض ما يراه ضغطاً أو ابتزازاً. المسألة تتعلق بالمقام والرسالة والحضور والمناسبة.

فحين يكون أمامك جمهور من الشباب جاء للمشاركة في مبادرة اجتماعية، فإن القائد صاحب الكاريزما يعرف كيف يخاطب اللحظة نفسها حتى وإن جاء إلى المناسبة “حُشَرِياً” متطفلاً دون دعوة: كان عليه يتحدث عنهم، عن أحلامهم وآمالهم، عن بلدهم، وعن المستقبل الذي ينتظرونه. أما تحويل المنصة إلى رد مباشر على أزمة شخصية خاصة أو دبلوماسية، فيجعل القائد يبدو وكأنه يستجدى البحث عن جمهور لأي معركة سياسية تخصه. وهذا ما حدث بالضبط للبرهان وهو خارج اللحظة والمشهد، ولغة جسده المرتعش تحكي عكس ما يقول.

وهنا يصبح السؤال أكبر من حادثة بعينها: هل يستطيع البرهان أن يكون حاضراً من دون أن يستند إلى الزي العسكري، والرتبة، والمنصب، والمؤسسة التي يقودها

الكاريزما تُختبر عندما لا تحتاج إلى فرض حضورك؛ عندما يصمت المكان لأن الناس يريدون سماعك، لا لأنك صاحب السلطة على الميكروفون.

ولعل مشكلة البرهان، أنه يملك سلطة القائد أكثر مما يملك جاذبية القائد. يملك القدرة على مخاطبة الناس، لكنه لا ينجح دائماً في تحويل الخطاب إلى لحظة جامعة تتجاوز المعركة السياسية الراهنة. وموقف البرهان هنا يشبه بالضبط حضور “مقاطيع الطاري” يتكلمون في المجالس ولا أحد يهتم لما يقولون.

حتى أزمة التأشيرة نفسها كان يمكن تحويلها من شكوى شخصية تخص البرهان إلى قضية وطنية هادئة: كيف يحافظ السودان على كرامته ومصالحه وعلاقاته الدولية؟ لكن الخطاب الذي صدر عنه في استاد الخرطوم اتجه إلى لغة التحدي المباشر: “لا نريد تأشيرة ولا إذناً من أحد” قد تكون العبارة صالحة للهتاف، لكنها ليست بالضرورة لغة قائد يحتاج إلى إقناع العالم، وفي الوقت نفسه طمأنة شعب أنهكه الصراع.

فالكاريزما ليست في رفع الصوت، ولا في اقتحام المنابر، ولا في تحويل كل تجمع إلى معركة سياسية. الكاريزما أن تجعل الناس يشعرون بأنك تتحدث من أجلهم، لا من أجل إثبات حضورك أمامهم. وهذا هو الفارق بين قائد تفرضه الظروف، وقائد تصنعه قدرته على التأثير في الناس.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.