بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم يعد أمام السودانيين ترف إضاعة الوقت في معارك السياسة الضيقة أو حسابات المكاسب الحزبية. فكل يوم يمر يحمل مزيداً من الضحايا، ومزيداً من النزوح، ومزيداً من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. ولهذا، فإن الأولوية الوطنية اليوم يجب أن تكون واضحة ولا تحتمل التأويل: وقف الحرب وإنقاذ المدنيين قبل أي شيء آخر.
لقد دفعت الأسر السودانية ثمناً باهظاً لهذا الصراع. مدن دُمِّرت، وملايين اضطروا إلى مغادرة منازلهم، وأطفال حُرموا من التعليم، ومستشفيات خرجت عن الخدمة، بينما يعيش من بقي داخل مناطق النزاع تحت وطأة الخوف والجوع وانعدام الخدمات الأساسية. ولا يمكن لأي مشروع سياسي أن يكتسب شرعية أخلاقية إذا تجاوز هذه المأساة أو تعامل معها باعتبارها مجرد تفصيل في معركة السلطة.
إن وقف إطلاق النار ليس نهاية الطريق، لكنه الخطوة الأولى التي تفتح الباب أمام معالجة بقية الأزمات. فمن دون إسكات صوت السلاح، لن يكون هناك مجال لإيصال المساعدات الإنسانية بصورة آمنة، ولا لإعادة تشغيل المؤسسات، ولا لعودة النازحين واللاجئين، ولا لأي حوار سياسي يمكن أن ينتج استقراراً دائماً.
وفي الوقت نفسه، فإن القوى السياسية والمدنية السودانية تتحمل مسؤولية تاريخية في هذه المرحلة. فالانقسامات التي ظلت تضعف الصف المدني طوال السنوات الماضية لم تعد ترفاً يمكن احتماله. إن استمرار التشتت يمنح الأطراف المسلحة مساحة أوسع لفرض رؤيتها، ويجعل مستقبل البلاد رهينة لمنطق القوة بدلاً من منطق السياسة.
ومن هنا تبرز أهمية بناء جبهة مدنية واسعة، قادرة على الاتفاق حول الحد الأدنى من الأهداف الوطنية: وقف الحرب، حماية المدنيين، استعادة مسار الانتقال المدني، وإطلاق عملية سياسية شاملة لا تستثني قضايا العدالة والمساءلة. فالاختلاف في البرامج والرؤى أمر طبيعي، لكن الاتفاق على إنقاذ الدولة يجب أن يكون القاسم المشترك بين الجميع.
وفي هذا السياق، يرى كثير من الفاعلين السياسيين أن وحدة القوى المدنية قد تقلل من فرص عودة القوى التي ارتبط اسمها بالنظام السابق إلى واجهة المشهد السياسي. ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الانقسام بين القوى المدنية يخلق فراغاً سياسياً تستفيد منه تلك القوى لإعادة تنظيم صفوفها ومحاولة استعادة نفوذها. وفي المقابل، تؤكد أطراف أخرى أن أي عملية سياسية مستقرة ينبغي أن تقوم على المنافسة السلمية وسيادة القانون، مع ترك حسم المسؤوليات القانونية والقضائية للمؤسسات المختصة.
السودان لا يحتاج إلى مزيد من الاستقطاب، بل إلى مشروع وطني يضع الإنسان في مقدمة الأولويات. فالجائع لا تعنيه الشعارات، والنازح لا يبحث عن خطابات النصر، والأم التي فقدت أبناءها لا تريد سوى أن تتوقف الحرب وأن يعود الأمان إلى بيتها.
لقد أثبتت التجارب أن الحروب تنتهي في نهاية المطاف، لكن الدول التي تنجح في النهوض هي تلك التي تملك شجاعة تقديم التنازلات من أجل السلام، وإرادة بناء توافقات وطنية تحمي المستقبل بدلاً من إعادة إنتاج الصراعات.
إن السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. فإما أن ينتصر صوت العقل، وتتوحد الجهود لوقف الحرب وإنقاذ المدنيين وتهيئة الطريق لسلام عادل، وإما أن تستمر دوامة الدم والدمار، بما يحمله ذلك من مخاطر على وحدة البلاد ومستقبل أجيالها. وسيبقى السلام، مهما طال الطريق إليه، هو الخيار الأقل كلفة، والأكثر وفاءً لتضحيات السودانيين وآمالهم في وطن يسوده الأمن والعدالة والاستقرار.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.