لا حوار يعصم البرهان من جرائمه

نورا عثمان

 

في خضم حرب أنهكت السودان ومزقت نسيجه الاجتماعي، عاد رئيس مجلس السيادة في حكومة بورتسودان، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ليتحدث عن “حوار وطني” وقنوات تواصل مع القوى التي ساندت الدولة خلال الحرب، بالتزامن مع مبادرة قيل إنها انطلقت من مجموعة من السودانيين. غير أن هذا الطرح يثير سؤالاً جوهرياً: هل يمكن لأي مبادرة سياسية أن تطوي صفحة الانتهاكات الجسيمة، أم أن العدالة يجب أن تسبق أي عملية سياسية؟

 

إن الدعوة إلى الحوار، من حيث المبدأ، ليست أمراً مرفوضاً، فالحوار ظل دائماً إحدى أدوات إنهاء النزاعات وبناء التوافقات الوطنية. لكن الإشكال يكمن في أن أي عملية سياسية تفقد مشروعيتها إذا تحولت إلى وسيلة لتجاوز مطالب المحاسبة أو لتقديم حصانات سياسية أو قانونية لمن يُتهمون بالمسؤولية عن انتهاكات خطيرة ارتُكبت خلال الحرب.

لقد خلّف الصراع السوداني آلاف الضحايا، ودفع الملايين إلى النزوح واللجوء، وأدى إلى تدمير واسع للبنية التحتية والمؤسسات المدنية. وفي ظل هذا الواقع، تبدو الأولوية بالنسبة إلى كثير من السودانيين هي وقف الحرب، وكشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، قبل الحديث عن ترتيبات سياسية جديدة.

ولا يمكن تجاهل أن الثقة بين السلطة والمجتمع تعرضت لتآكل كبير خلال سنوات الأزمة، وهو ما يجعل أي مبادرة للحوار بحاجة إلى ضمانات حقيقية، أبرزها الشفافية، والاستقلالية، وعدم استبعاد أي مكون مدني مؤثر، إضافة إلى الالتزام الصريح بمبادئ العدالة وسيادة القانون.

إن أي حوار يُبنى على انتقائية المشاركين، أو يُستخدم لإعادة إنتاج موازين القوى القائمة، سيكون معرضاً لفقدان القبول الشعبي، ولن يحقق الاستقرار المنشود. فالتجارب السودانية السابقة أظهرت أن الاتفاقات السياسية التي تتجاهل جذور الأزمة أو مطالب العدالة سرعان ما تدخل في دوامة جديدة من الأزمات.

كما أن المجتمع الدولي، الذي يتابع تطورات السودان عن كثب، يربط في كثير من مواقفه بين أي عملية سياسية مستدامة وبين احترام القانون الدولي الإنساني، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وحماية المدنيين. ولذلك فإن أي تصور لمستقبل البلاد سيكون أكثر قابلية للاستمرار إذا جمع بين التسوية السياسية والعدالة الانتقالية، بدلاً من وضعهما في مواجهة بعضهما البعض.

إن السودان بحاجة إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة على أسس المشاركة وسيادة القانون، لا إلى مبادرات تزيد الانقسام أو تُعمّق الشكوك حول أهدافها. والحوار الحقيقي لا يبدأ من اختيار من يجلس إلى الطاولة فحسب، بل من الاعتراف بحجم المأساة التي عاشها السودانيون، والالتزام بألا تتحول السياسة إلى مظلة للإفلات من المساءلة.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل سيكون الحوار المقترح خطوة نحو سلام عادل يضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار، أم مجرد محطة جديدة في صراع سياسي لم تُحسم قضاياه الأساسية بعد؟ الإجابة لن تحددها الخطب ولا المبادرات وحدها، بل ما ستسفر عنه الوقائع على الأرض، ومدى قدرة أي عملية سياسية على الجمع بين إنهاء الحرب، وتحقيق العدالة، واستعادة ثقة السودانيين في مستقبل دولتهم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.