مع تصاعد التحركات الدولية لوقف الحرب في السودان، تضغط الآلية الخماسية نحو تسوية سياسية جديدة. لكن الخطر لا يكمن في التسوية نفسها، وإنما في أن تعيد إلى الدولة القوى التي عطلت التحول الديمقراطي، وفي مقدمتها مراكز القوة العسكرية وشبكات الإسلاميين المرتبطة بمنظومة الإنقاذ وواجهاتها.
السودان لا يعاني أزمة في توزيع السلطة فحسب، وإنما أزمة دولة رسختها الانقلابات، وعمقتها منظومة الإنقاذ والتمكين، وجعلت الحرب قابلة للتكرار. وقد أثبتت تجربة 2019–2021 أن إبقاء الجيش شريكاً سياسياً أجهض الانتقال، بينما كشفت حرب 15 أبريل 2023 أن المؤسسة العسكرية لا يمكن أن تكون وصياً على الدولة أو ضامناً لمسارها السياسي.
لذلك، يجب أن يتجاوز الانتقال المقبل تقاسم السلطة إلى إعادة تأسيس الدولة على قاعدة مدنية ديمقراطية، وإخضاع السلاح للقانون، وتفكيك إرث الإنقاذ والتمكين، وإرساء العدالة والمساءلة. فالمشكلة لا تكمن فقط في أطراف الحرب، وإنما في منظومة سياسية وعسكرية جعلت الانقلاب والحرب ممكنين. ومن ثم، لا يمكن لمن أسهموا في بناء هذه المنظومة وتقويض التحول الديمقراطي أن يكونوا شركاء متساوين في إعادة تأسيس الدولة.
تضغط بعض القوى الدولية والإقليمية نحو تسوية سريعة لأن وقف الحرب يرتبط بالنسبة إليها بحسابات الأمن الإقليمي وتوازنات القوة والمصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. وهذه الأولويات لا تتطابق بالضرورة مع حاجة السودان إلى تفكيك منظومة أنتجت الانقلابات ومهدت للحرب.
وتطرح الآلية الخماسية “العملية الشاملة” باعتبارها مدخلاً إلى التسوية، لكن مفهوم الشمول يحتاج إلى تدقيق. فالشمول السياسي لا يعني جمع كل القوى حول طاولة واحدة بصرف النظر عن أدوارها ومواقفها من الانتقال أو استخدامها السلاح والنفوذ المؤسسي لإعادة إنتاج السلطة. هناك فرق بين توسيع المشاركة السياسية، وبين إعادة القوى التي عطلت التحول الديمقراطي إلى موقع الشريك في إعادة تأسيس الدولة.
قد تكون التسوية التي توقف القتال وتعيد ترتيب موازين القوى أكثر جاذبية لبعض الوسطاء من عملية طويلة لإصلاح مؤسسات الدولة وتفكيك مراكز القوة القديمة. فالتسوية تحقق أهدافاً عاجلة، بينما إعادة تأسيس الدولة قد تفرض تغييرات تمس مصالح راسخة. وهنا يكمن الخطر: قد تنجح الوساطة في وقف القتال، لكنها تترك الأسباب السياسية والمؤسسية التي أنتجت الانقلاب والحرب قائمة، لتعود الحرب لاحقاً ويدفع السودانيون ثمن تسوية لم تعالج جذور الأزمة.
لذلك، لا ينبغي قياس نجاح الوساطة بوقف القتال وحده، وإنما بقدرتها على تفكيك الشروط التي جعلت الانقلاب والحرب ممكنين.
منذ استقلال السودان، ظل الجيش طرفاً رئيسياً في السياسة، ولم تستقر العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية على قاعدة تجعل الجيش خاضعاً للدستور والقرار السياسي المدني. بدأت سلسلة الانقلابات بانقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958، ثم جعفر نميري عام 1969، وعمر البشير عام 1989، وصولاً إلى انقلاب 25 أكتوبر 2021. وتكررت الدورة: أزمة سياسية، انقلاب عسكري، حكم سلطوي، انتفاضة شعبية، انتقال مدني هش، ثم عودة الجيش إلى السلطة.
المشكلة ليست في الجيش كمؤسسة وطنية، وإنما في تحوله إلى قوة سياسية تملك القدرة على إنتاج السلطة أو إسقاطها. وعندما يملك الجيش إسقاط الحكومات أو فرض شروطه على العملية السياسية، يتحول من مؤسسة عسكرية إلى طرف في الصراع على الدولة.
كان انتقال 2019 الاختبار الأوضح لفكرة إبقاء الجيش شريكاً في إدارة التحول الديمقراطي. فبعد سقوط البشير، احتفظ العسكريون بموقع مركزي في السلطة، بينما امتلك المدنيون الشرعية السياسية والثورية. لكن اختلال موازين القوة كان واضحاً: احتفظ الجيش بأدوات القوة الأمنية والاقتصادية، وبالقدرة على تعطيل الترتيبات الانتقالية عندما تتعارض مع مصالحه.
ورغم النص على الانتقال إلى حكم مدني، ظل إصلاح الجيش والأجهزة الأمنية محدوداً، واستمرت قطاعات اقتصادية تابعة للمؤسسة العسكرية خارج الرقابة المدنية الكاملة. ومع تصاعد الخلافات، جاء انقلاب 25 أكتوبر 2021 ليكشف حدود الشراكة: عندما اصطدمت ترتيبات الانتقال بمصالح الجيش ومراكز القوة المرتبطة به، عُطّل المسار الدستوري واستولى العسكريون على السلطة.
ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023 لتسقط عملياً فكرة الجيش بوصفه ضامناً محايداً للدولة والاستقرار. فالمؤسسة العسكرية أصبحت طرفاً رئيسياً في النزاع، ما ينهي مبرر منحها تلقائياً حق إدارة المرحلة السياسية التالية. الحرب كشفت أيضاً أن بقاء مراكز القوة المسلحة مستقلة عن السلطة المدنية يضعف الدولة…
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.