نسب الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في خطابه الأخير، عبارة مفادها أن الناس «تطلب الرفاهية في الوقت الذي يطلب فيه التاريخ الشجاعة»، إلى ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية.
لكن العبارة، بهذه الصياغة، لا علاقة لها بتشرشل، ولا يوجد ما يثبت أنه قالها. وهذه ليست مجرد هفوة في الاستشهاد، وإنما تكشف، في تقديري، عن مشكلة أعمق في الخطاب السياسي للبرهان ومن يصوغون له خطاباته: الاستخفاف بالتاريخ واستسهال توظيفه لتزيين مواقف سياسية جاهزة.
وكان يمكن للبرهان أن يقول ببساطة: «نحن نريد الرفاهية في الوقت الذي يطلب فيه التاريخ الشجاعة»، دون أن ينسبها إلى أحد. لكن حتى هذه العبارة نفسها تبدو مفارقة للواقع السوداني.
فعن أي رفاهية يتحدث البرهان؟
الشعب السوداني الذي يموت أفراده كل يوم بسبب الحرب والجوع والمرض والتشرد لا يطلب الرفاهية. إنه يطلب أبسط حقوق الإنسان: الأمن، والغذاء، والمأوى، وحق أطفاله في الحياة والتعليم، وحقه في أن يعيش حياة كريمة بعيدًا عن الرصاص والنزوح والموت.
ولذلك يبدو الحديث عن «الرفاهية» منفصلًا عن الواقع الذي يعيشه ملايين السودانيين، إلا إذا كان الخطاب موجهًا إلى أولئك الذين يعيشون بعيدًا عن الحرب، في إسطنبول والقاهرة وغيرها، بينما يدفع السودانيون داخل البلاد ثمن الحرب من دمائهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.
لكن المفارقة الأهم في استدعاء اسم تشرشل تكمن في الموقع الذي كان يقف فيه الرجل من التاريخ.
كان تشرشل، في اللحظة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، من أبرز الأصوات البريطانية التي حذرت من خطر النازية ومن سياسة الاسترضاء التي اتبعتها حكومة نيفيل تشامبرلين. فقد أدرك مبكرًا أن هتلر لا يستخدم الدعوة إلى السلام من أجل السلام، وإنما كان يستغل الوقت لتقوية جيشه والاستعداد لحرب أكبر.
وكانت لحظة اتفاق ميونيخ عام 1938 مثالًا صارخًا على ذلك. فقد عارض تشرشل سياسة الاسترضاء، في الوقت الذي كان فيه تشامبرلين يرى أن تقديم التنازلات لهتلر يمكن أن يحافظ على السلام. لكن التاريخ أثبت أن السلام الذي لا يستند إلى ردع المعتدي قد يتحول إلى مجرد تأجيل للحرب.
ثم جاء غزو ألمانيا لبولندا في سبتمبر 1939، فانكشفت حقيقة المشروع النازي، وانتهت أوهام من اعتقدوا أن تقديم التنازلات سيوقف هتلر.
وفي مايو 1940، بعد انهيار الجبهة الغربية واستقالة تشامبرلين، تولى تشرشل رئاسة الحكومة. وهنا أصبح الرجل الذي كان يُتهم قبل الحرب بالتشدد والمبالغة في تقدير الخطر هو الذي يقود بريطانيا في مواجهة النازية.
هذه هي النقطة التي يبدو أن البرهان يغفلها حين يستدعي اسم تشرشل.
فقيمة تشرشل التاريخية لم تكن في حديثه عن «الشجاعة» مجردة، وإنما في قدرته على قراءة طبيعة النظام الذي كان يواجهه. لقد فهم أن المشكلة ليست في سوء تفاهم عابر مع هتلر، ولا في خلاف يمكن حله بمجرد تقديم المزيد من التنازلات، وإنما في مشروع سياسي توسعي لا يفهم إلا موازين القوة والردع.
ومن هنا تصبح المقارنة أكثر دلالة في الحالة السودانية.
فإذا كان هناك درس يمكن استخلاصه من تجربة تشرشل، فهو أن مواجهة الفاشية لا تكون بتجميل خطابها، ولا بالمراهنة على أنها ستكتفي بما حصلت عليه، ولا بمنحها الوقت لتعيد تنظيم نفسها وتستعيد قوتها.
وهنا تبرز أهمية عبارة «شدّ الرسن» التي وردت في خطاب محمد حمدان دقلو الأخير، باعتبارها تعبيرًا عن موقف مختلف: ضرورة التعامل مع التنظيم الإسلامي الذي أشعل الحرب باعتباره قوة سياسية وعسكرية ينبغي مواجهتها بوضوح، بدل الاستمرار في الرهان على الحوار معه وكأنه مجرد طرف سياسي عادي يمكن إقناعه بالتنازل عن مشروعه.
ولا يعني ذلك أن البديل هو الحرب المفتوحة إلى ما لا نهاية. بل يعني أن السلام الحقيقي يحتاج إلى توازن واضح في القوة وإلى شروط سياسية تمنع الطرف الذي أشعل الحرب من استخدام التفاوض لإعادة ترتيب صفوفه ثم العودة إليها.
وهنا تحديدًا تظهر المفارقة التاريخية.
تشرشل لم يكن ضد السلام؛ كان ضد السلام الذي يتحول إلى استسلام أمام مشروع فاشي. ولم يكن ضد التفاوض من حيث المبدأ، وإنما أدرك أن التفاوض مع طرف يستخدم التفاوض لكسب الوقت وتقوية قدرته على الحرب لا يؤدي بالضرورة إلى السلام.
والسودان اليوم يحتاج إلى قراءة التاريخ لا إلى استدعاء أسماءه بصورة انتقائية.
فالشجاعة التي يحتاجها السودانيون ليست شجاعة تحمل الجوع والنزوح والموت، ولا شجاعة مطالبة المدنيين بمزيد من التضحية بينما تتنافس القوى المسلحة على السلطة. الشجاعة الحقيقية هي شجاعة الاعتراف بجذور الحرب، ومساءلة من أشعلها، وإعادة بناء الدولة والجيش على أسس وطنية ديمقراطية، وإنهاء استخدام السلاح وسيلة للاستيلاء على السلطة.
أما الشعب السوداني، فهو لا يطلب رفاهية.
إنه يطلب فقط أن يتوقف الذين يتحدثون باسمه عن تعريضه للموت، وأن تُعاد إليه دولته، وحقه في الحياة، وحريته، وكرامته.
وهذا ليس ترفًا يطلبه الناس في زمن يحتاج إلى الشجاعة؛ بل هو بالضبط ما يجب أن تكون الشجاعة من أجله.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.