إن الكلمة التي استخدمها البرهان في دعوته للجلوس مع القوي المدنية، هي “حوار”.
بعد إعلان دعوة البرهان، طرح العديد من السياسيين، الأكاديميين والصحفيين وجهات نظرهم حول هذه الدعوة؛ ويلاحظ أن معظمهم اتجه لرفضها، بحجة أن الأولوية يجب ان تكون لوقف الحرب، دون الخوض في معني “الموضوع” المقترح؛ ودون طرح السؤال حول مفهوم المقترح المقدم: هل هو “حوار” أم “مفاوضات”؟
معلوم بأن الحوار، هو تواصل فكري، يهدف إلي تبادل الآراء حول موضوع أو عدة مواضيع تهم المتحاورين، دون إشتراط مسبق للوصول إلي إتفاق. في حين أن المفاوضات، هي عملية تبادل ورق حول مصالح محددة بهدف الوصول إلي تسوية أو عقد اتفاق عبر الحصول علي مكاسب أو تقديم تنازلات.
لإلقاء ضوء أكثر علي المفهومين، لننظر إليهما من زاوية، “الهدف”، “النتيجة” و”الإطار الزمني”.
ولنتناول أولا الحوار:
يشمل “الهدف” من الحوار تبادلا للأفكار، التبادل المعرفي واستكشاف وجهات النظر المختلفة حول موضوع الحوار.
أما “النتيجة”، فغير مشترط بأن تكون وصولا إلي إتفاق أو قرار نهائي. وفيما يخص “الإطار الزمني” للحوار، فهو عادة، غير محدد بمدي زمني ضيق.
وبخصوص المفاوضات، فعادة ما يكون “الهدف” منها، هو التوصل إلي حل لنزاع قائم، توزيع مصالح أو توقيع إتفاق ملزم. و”النتيجة”، للمفاوضات ، تتجه دائما للوصول إلي حل وسط أو صيغة محددة يتم الأتفاق عليها. أما “طبيعة” المفاوضات فهي تبادلية قائمة علي الأخذ والعطاء وتقديم التنازلات لتحقيق مكاسب، أو تعادلها بين المتفاوضين بما يعرف ب Win” Win”، أي الكل كسبان.
مما سبق، وحسب تعريف “الحوار” من حيث الهدف، النتيجة والمدي الزمني، يتضح جليا ان ما يدعو له البرهان لا يمكن تسميته “حوارا”، خاصة إذا كان موجها إلي قوي مدنية ملتزمة “مسبقا” بمبادئ الديمقراطية، الحرية والسلام والعدالة. وكلها قيم ومبادئ مسلم بها من قبل القوي المدنية الديمقراطية. وبديهي أن الحوار يمكن أن يكون فقط بين فصائل ذات أهداف مشتركة أو متقاربة، لتتبادل الأفكار حول كيفية الوصول اليها.
والسؤال هنا، هل يحمل البرهان أهداف التحول المدني الديمقراطي أو الحرية أو السلام أو العدالة؟ هل يحمل هذة القيم والأهداف، بعد فض الإعتصام، إنقلاب 25 أكتوبر 2021، إطلاق سراح مجرمي إنقلاب 30 يونيو 1989، التنكيل بمعارضي انقلابه وكوارث الحرب؟!
فيما يخص المفاوضات، أيضا لا يمكن ولا ينبغي للبرهان توجيه دعوة للتفاوض مع القوي المدنية الديمقراطية، لأنها بعد أخطاء ومرارات الفترة الإنتقالية السابقة وتجربة الوثيقة الدستورية المعيبة، لن تسعي إلي “تسوية” أو إلي حل وسط مع العسكر فيما يتعلق باستحقاقات ثورة ديسمبر المجيدة؛ اللهم إلا إذا أرادت الإنتحار سياسيا. وهل يوجد موقف وسط من أصله؟
إذا كان هنالك ثمة حديث عن “تفاوض”، فمجاله بين الطرفين المتحاربين؛ حول ترتيبات إيقاف إطلاق النار، تبادل الأسري، الفصل بين القوات فتح الممرات للعون الإنساني وترتيباب “إنهاء” العدائيات.
عمليا ومن حيث المبدأ، ليس هناك مجال لأي شئ اسمه حوار أو تفاوض بين القوي المدنية الديمقراطية والبرهان أو الطرف الآخر للحرب.
في تقديرنا، من الضرورى لكل من يتناول موضوع “الحوار” أو “المفاوضات”، أن يعطي المفهومين قدرهما من التعريف الصحيح، قبل الخوض في شأن الرفض أو القبول باشتراط وقف الحرب أو عدمه.
خلاصة القول، ليس هنالك مجال لحوار أو مفاوضات بين القوي المدنية الديمقراطية (قوى الثورة الحية)، وأي من أطراف الحرب، سواء أن توقفت هذة الحرب أم لم تتوقف. والمسار السياسي يجب أن يقوده المدنيون الملتزمون باستحقاقات ثورة ديسمبر وعلي رأسها التحول المدني الديمقراطي. هذا أمر مفروغ منه حتي في نصوص مبادرة الرباعية التي وجدت ترحيبا واسعا من قبل كل فصائل القوي المدنية وعلي مستوي المجتمع الدولي.
في نهاية الأمر، ما طرحه البرهان سواء قصد به حوارا أو مفاوضات، مع القوي المدنية الديمقراطية، ليس له أساس يقوم عليه. وواضح للجميع بما لا يدع مجال للشك، أن هدف البرهان، هو شرعية تعسر عليه الحصول عليها بقوة السلاح، ومن المؤكد أنه لن يحصل عليها بالخبث الناعم الذي أسماه “حوارا”.
وفيما يخص عبارة ” ما عدا المؤتمر المؤتمر الوطني”! فليعلم البرهان بأن زمن ” إذهب إلي القصر رئيسا وسأذهب إلي السجن حبيسا” قد ولي. وراعي الغنم في الخلاء يعلم أن البرهان ، هو نفسه المؤتمر الوطني!!
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.