26 وساطة إماراتية.. إنقاذ الأسرى على طريق السلام

أبوظبي: عين الحقيقة

في خطوة جديدة تعكس حضور الدبلوماسية الإماراتية في معالجة تداعيات الحرب الأوكرانية، نجحت دولة الإمارات في التوصل إلى وساطة جديدة بين روسيا وأوكرانيا لتبادل الأسرى، ليرتفع بذلك عدد الوساطات الإماراتية بين البلدين إلى 26 وساطة منذ اندلاع الأزمة، أسفرت عن تبادل 7,997 أسيراً من الجانبين.

وأعلنت وزارة الخارجية الإماراتية، الأربعاء، نجاح الوساطة الجديدة التي شملت إطلاق 206 أسرى، بواقع 103 أسرى من روسيا و103 أسرى من أوكرانيا، في عملية جديدة تؤكد استمرار الجهود الإماراتية لتخفيف التداعيات الإنسانية للحرب، التي دخلت عامها الخامس.

وتزامنت الوساطة مع اليوم العالمي للعمل الإنساني، الموافق 19 أغسطس من كل عام، بما يسلط الضوء على البعد الإنساني للتحرك الإماراتي في الأزمة الأوكرانية، الذي لم يقتصر على الدعوات السياسية للسلام، وإنما تُرجم إلى مبادرات عملية لتخفيف معاناة المتضررين من الحرب.

وثمّنت وزارة الخارجية الإماراتية تعاون روسيا وأوكرانيا في إنجاح عملية التبادل، مؤكدة أن جهود الوساطة تأتي انطلاقاً من العلاقات التي تجمع دولة الإمارات بالبلدين، وحرصها على دعم مختلف المساعي الرامية إلى التوصل لحل سلمي للأزمة.

وأكدت الوزارة أن الإمارات ستواصل تحركاتها لدعم الجهود الرامية إلى إنهاء النزاع عبر الوسائل السلمية، إلى جانب مواصلة العمل على الحد من تداعياته الإنسانية، وفي مقدمتها أوضاع الأسرى واللاجئين.

وتأتي الوساطة الجديدة ضمن حراك دبلوماسي إماراتي متواصل شهد تكثيفاً ملحوظاً خلال عام 2026، إذ تعد الوساطة الأخيرة التاسعة خلال العام الجاري، بعد تنفيذ 10 وساطات خلال عام 2024 و7 وساطات خلال عام 2025.

ولم تتوقف التحركات الإماراتية عند ملف تبادل الأسرى، إذ استضافت أبوظبي جولتين من المحادثات الروسية-الأوكرانية-الأمريكية، الأولى يومي 23 و24 يناير الماضي، والثانية يومي 4 و5 فبراير، قبل أن تمهدا لجولة محادثات لاحقة في جنيف يومي 17 و18 فبراير.

وتتواصل الجهود الإماراتية، بالتعاون مع الولايات المتحدة، لدعم المساعي الرامية إلى إنهاء الحرب، عبر توظيف العلاقات التي تربط أبوظبي بمختلف الأطراف في الدفع نحو الحوار وخفض التصعيد.

ومنذ اندلاع الحرب في 24 فبراير 2022، تبنت دولة الإمارات موقفاً يدعو إلى الحلول السياسية والدبلوماسية، مع التأكيد على احترام مبادئ القانون الدولي وسيادة الدول ووحدة أراضيها، والدعوة إلى تجاوز منطق الصراع لمصلحة الحوار والتسوية السياسية.

وقاد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، جانباً من التحرك الدبلوماسي بشأن الأزمة، من خلال مباحثات واتصالات مع قيادتي روسيا وأوكرانيا، مع التأكيد المتكرر على أهمية الحوار والدبلوماسية وخفض التصعيد في الوصول إلى تسوية سلمية.

وفي مطلع أغسطس الجاري، تلقى الشيخ محمد بن زايد اتصالاً هاتفياً من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، جرى خلاله بحث مستجدات الأزمة وتداعياتها الإنسانية. وأعرب الرئيس الأوكراني عن تقديره للجهود الإماراتية المتواصلة في تسهيل عمليات تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، والاهتمام الذي توليه أبوظبي للجانب الإنساني من الأزمة.

كما شاركت الإمارات في يونيو الماضي في مؤتمر تعافي أوكرانيا 2026، الذي عقد في مدينة غدانسك البولندية، وذلك للعام الثالث على التوالي، في تأكيد على استمرار دعمها للمسارات المرتبطة بالتعافي وإعادة البناء إلى جانب جهود الوساطة والسلام.

وامتد التعاون الإماراتي الأوكراني إلى المجال الاقتصادي، من خلال توقيع اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة عام 2025، دخلت حيز التنفيذ في يوليو 2026، بما يعكس توجهاً لتعزيز العلاقات الاقتصادية ودعم فرص الاستثمار والتجارة، إلى جانب الإسهام في مسار التعافي الاقتصادي لأوكرانيا.

وعلى الصعيد الإنساني، قدمت دولة الإمارات منذ بداية الأزمة برامج مساعدات شملت مساكن للأسر الحاضنة، وإمدادات إغاثية، وسيارات إسعاف، ومولدات كهربائية، وخدمات أساسية استفاد منها أكثر من 1.2 مليون شخص، ضمن جهود تستهدف تخفيف آثار الحرب والاستجابة للاحتياجات الإنسانية العاجلة.

ويعكس هذا التحرك مساراً إماراتياً يجمع بين الوساطة السياسية والاستجابة الإنسانية والدعم الاقتصادي، في مقاربة تتعامل مع الأزمة من أكثر من زاوية، بدءاً من إنقاذ الأسرى وتخفيف معاناة المتضررين، وصولاً إلى دعم مسارات التعافي وإعادة البناء.

ومع نجاح الوساطة السادسة والعشرين بين روسيا وأوكرانيا، تكرس الإمارات حضورها كطرف قادر على التواصل مع طرفي النزاع وتسهيل ملفات إنسانية حساسة، في وقت تبدو فيه الحرب أكثر تعقيداً واستمراراً.

وعلى مدى سنوات الحرب الروسية-الأوكرانية، برزت دولة الإمارات كأحد الأطراف التي نجحت في تحويل حضورها الدبلوماسي إلى خطوات عملية ذات أثر إنساني مباشر. فبدلاً من الاكتفاء بالمواقف السياسية، ركزت أبوظبي على فتح قنوات التواصل مع طرفي النزاع، واستثمار علاقاتها المتوازنة في معالجة الملفات الإنسانية الأكثر حساسية، وفي مقدمتها تبادل الأسرى.

وقد منح هذا النهج الدبلوماسية الإماراتية مساحة للتحرك في ملف شديد التعقيد، وأسهم في جعل الوساطة أداة عملية لتخفيف آثار الحرب، خصوصاً مع نجاح عمليات متكررة لإطلاق الأسرى وإعادتهم إلى بلدانهم وذويهم.

وتبرز أهمية التجربة الإماراتية في قدرتها على الجمع بين الدبلوماسية الهادئة والعمل الإنساني المباشر، إذ لم تقتصر جهودها على الوساطة في عمليات التبادل، بل امتدت إلى استضافة المحادثات، وتقديم المساعدات، والمشاركة في جهود التعافي، ودعم المسارات الاقتصادية المرتبطة بمستقبل أوكرانيا.

وبهذا المسار، تبدو الإمارات حريصة على ترسيخ نموذج لدبلوماسية تقوم على بناء الجسور بدلاً من تعميق الاستقطاب، وعلى تحويل العلاقات الدولية إلى أدوات لتخفيف المعاناة وفتح مسارات للحوار.

وتقدم حصيلة 26 وساطة صورة واضحة عن استمرارية هذا الدور، فيما يعكس عدد الأسرى الذين شملتهم عمليات التبادل حجم الأثر الإنساني لهذه الجهود، ويمنحها بعداً يتجاوز الحسابات السياسية المباشرة للحرب.

وفي ظل استمرار النزاع، تواصل أبوظبي التأكيد على أن الحوار وخفض التصعيد والحلول السياسية تمثل الطريق الأكثر واقعية لمعالجة الأزمات، مع الحفاظ على أولوية حماية الإنسان وتخفيف معاناته، وهي مقاربة جعلت من الوساطة الإماراتية أحد المسارات الإنسانية اللافتة في الأزمة الأوكرانية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.