لاجئون سودانيون في مصر.. «سجن مفتوح» واتهامات بالابتزاز والتمييز

تقرير: عين الحقيقة

 

تتفاقم منذ سنوات أزمة معقدة داخل منظومة اللجوء في مصر، وسط شكاوى متزايدة من لاجئين، ولا سيما السودانيين والأفارقة، بشأن تعقيدات إدارية وإجراءات بيروقراطية تحوّل حياتهم إلى ما يشبه «السجن المفتوح»، في ظل صعوبات مستمرة في الحصول على وثائق السفر، وتجديد المستندات، واستكمال الإجراءات القانونية المرتبطة بالإقامة والحماية.

وتقول شكاوى رصدتها «عين الحقيقة» إن آلاف اللاجئين يعيشون منذ سنوات طويلة في حالة من عدم الاستقرار القانوني، فيما تواجه بعض الأسر صعوبات تمتد لعقدين أو أكثر في الحصول على وثائق سفر تمكّنها من التنقل بصورة قانونية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على حقوقها في العمل والتعليم ولمّ الشمل الأسري، ويضعها أمام دائرة مغلقة من الانتظار والإجراءات التي لا يبدو لها أفق واضح.

وتثير هذه الأوضاع تساؤلات جدية حول مدى توافق الإجراءات المتبعة مع الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية اللاجئين، ولا سيما المادة 28 من اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، التي تتناول إصدار وثائق السفر للاجئين المستوفين للشروط القانونية.

شكاوى من «سوق سوداء»

ولا تتوقف الأزمة، بحسب شهادات وشكاوى متقاطعة، عند حدود التعقيدات الإدارية، إذ تتحدث إفادات لاجئين سودانيين عن تنامي ما وصفوه بـ«سوق سوداء» للمعاملات، يُقال إنها تقوم على وسطاء وسماسرة يستغلون حاجة اللاجئين إلى المواعيد والخدمات والإجراءات الرسمية.

وتتضمن الشكاوى اتهامات بفرض مبالغ مالية غير رسمية مقابل الحصول على مواعيد للمقابلات أو تسريع بعض الإجراءات، إضافة إلى مزاعم بشأن دفع أموال لتسهيل تجديد بطاقات التسجيل، المعروفة لدى بعض اللاجئين بـ«الكرت الأصفر».

كما تشير الإفادات إلى اتهامات أكثر خطورة تتعلق بمحاولات تسريع بعض ملفات إعادة التوطين مقابل المال، في وقت تبقى فيه ملفات أسر أخرى، بما فيها أسر تقول إنها الأشد احتياجاً للحماية، معلقة لسنوات طويلة، من دون تفسير واضح أو جدول زمني معلوم.

ولا يعني ذلك إدانة أي موظف أو جهة بعينها من دون تحقيق مستقل، لكن تكرار هذه الشكاوى وتقاطعها يستوجبان، من منظور حقوقي وإنساني، فتح تحقيق شفاف يحدد حقيقة ما يجري، ويكشف ما إذا كانت هناك بالفعل شبكات وساطة أو استغلال مالي داخل منظومة يفترض أن تقوم أساساً على حماية الفئات الأكثر ضعفاً.

معاملة مهينة خلف بوابات الحماية

وتتحدث شهادات لاجئين أيضاً عن تعرضهم، وفق وصفهم، للسخرية والاستعلاء من بعض موظفي الصف الأمامي وأفراد الأمن عند بوابات المقار الرسمية، وهو ما يضيف بعداً آخر إلى الأزمة، يتعلق ليس فقط بالإجراء القانوني، وإنما بالكرامة الإنسانية للاجئ.

فاللاجئ الذي يقف لساعات أو أيام بحثاً عن موعد أو وثيقة، لا ينبغي أن يجد نفسه مضطراً للدفاع عن كرامته أمام الجهة التي يفترض أن توفر له الحماية.

وتصبح المسألة أكثر خطورة عندما تتحول البيروقراطية إلى حاجز دائم، وعندما يشعر اللاجئ بأن الحصول على خدمة يفترض أن تكون جزءاً من منظومة الحماية الدولية يرتبط بالنفوذ أو المال أو القدرة على الوصول إلى وسيط.

اتهامات بالتمييز على أساس الجنسية

ومن بين أكثر الملفات حساسية، ما يُثار بشأن وجود تفاوت في المعاملة بين اللاجئين على أساس الجنسية.

وتشير إفادات ميدانية إلى أن بعض اللاجئين من جنسيات غير أفريقية قد يجدون، وفق أصحاب هذه الشكاوى، تسهيلات أكبر في بعض الإجراءات المتعلقة بالوثائق والإقامة واللجوء، بينما يواجه اللاجئون الأفارقة، والسودانيون بصورة خاصة، تعقيدات إضافية ومطالبات بإثباتات يرون أنها مرهقة أو متعذرة.

وإذا ثبت وجود مثل هذا التفاوت على أساس الأصل أو الجنسية، فإنه لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد مشكلة إدارية، بل يصبح قضية حقوقية تستوجب المساءلة، خصوصاً أن منظومة حماية اللاجئين يفترض أن تقوم على المساواة وعدم التمييز، بعيداً عن الجنسية أو العِرق أو القدرة المالية.

بين النصوص الدولية والواقع

تكشف هذه الشكاوى عن فجوة مقلقة بين المبادئ التي تنص عليها منظومة الحماية الدولية وبين التجربة اليومية التي يقول لاجئون إنهم يعيشونها في مصر.

ففي الوقت الذي تؤكد فيه اتفاقية عام 1951 وبروتوكول عام 1967 مبادئ حماية اللاجئين وعدم التمييز، تتحدث الشهادات عن غياب وثائق السفر، وتعقيدات الإقامة، وصعوبة الوصول إلى الخدمات، ومخاوف من الاستغلال المالي والمعاملة المهينة.

ولا يمكن أن تكون الحماية مجرد بطاقة تسجيل أو ملف إداري. فالحماية الحقيقية تعني أن يكون للاجئ وضع قانوني واضح، ووثائق تمكّنه من الحركة، وإمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية، وآلية فعالة لتقديم الشكاوى، وضمانات تمنع استغلال حاجته أو ابتزازه.

بلاغ إلى الجهات المسؤولة

إن استمرار هذه الشكاوى لسنوات، من دون معالجة جذرية أو تحقيقات واضحة، لا يضر باللاجئين وحدهم، بل يهدد أيضاً مصداقية منظومة العمل الإنساني وحماية اللاجئين في المنطقة.

ومن هنا، تدعو «عين الحقيقة» المكتب الإقليمي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الشرق الأوسط إلى فتح تحقيق داخلي مستقل وشفاف في الشكاوى المتعلقة بإصدار وثائق السفر، وآليات المواعيد، وتجديد بطاقات التسجيل، ومزاعم الرشاوى والوساطة وتسريع ملفات إعادة التوطين.

كما تدعو السلطات المصرية إلى توضيح المعايير والإجراءات المعتمدة بالتنسيق مع المفوضية، وضمان المساواة في المعاملة، وتسهيل الإجراءات القانونية للاجئين السودانيين والأفارقة، بما يحفظ كرامتهم ويمنع استغلال هشاشتهم.

فاللاجئ ليس رقماً في طابور انتظار، وليس مصدراً للمال، ولا يجوز أن تتحول حاجته إلى الحماية إلى فرصة للابتزاز. وأي منظومة حماية تسمح بأن يصبح الوصول إلى الحقوق رهناً بالمال أو الواسطة، إن صحت هذه الاتهامات، تحتاج إلى مراجعة عاجلة وجادة؛ لأن الصمت أمام مثل هذه الشكاوى لا يحل الأزمة، بل يطيل عمرها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.