تابعت التعليقات التي رافقت الفيديو الذي ظهر فيه المفكر أبكر آدم إسماعيل في مدينة نيالا، ولافتني أن جانباً من النقاش لم ينشغل كثيراً بما قاله الرجل، بقدر ما انشغل بسؤال آخر: ماذا يفعل أبكر في نيالا؟ ولماذا يقدم ندوة هناك؟
سخر أحد التعليقات من الندوة متسائلاً عما إذا كان الحضور قد فهموا أصلاً ما قاله أبكر، بينما ذهب تعليق آخر إلى انتقاد ما وصفه بمحاولة احتكار أبكر آدم إسماعيل نفسه، وكأن الرجل شخصية ينبغي أن تبقى داخل مساحة جغرافية محددة، أو أن ظهوره في مدينة بعينها يمثل تنازلاً عن موقف أو انحيازاً لمجموعة دون أخرى.
وهنا أعتقد أن المشكلة أكبر من مجرد ندوة في نيالا.
لماذا نريد دائماً أن نضع الأشخاص داخل خرائطنا الجغرافية والقبلية؟
أبكر آدم إسماعيل، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا حول أفكاره وتحليلاته، هو مفكر سوداني. ومن حقه أن يتحدث في نيالا، والخرطوم، والفاشر، وبورتسودان، والجنينة، وكوستي، وفي أي مدينة سودانية يستطيع الوصول إليها. ومن حق أهل هذه المدن أيضاً أن يستمعوا إليه، ويناقشوه، ويختلفوا معه، بل وينتقدوه بشدة.
المشكلة تبدأ عندما يتحول النقاش من: «ماذا قال أبكر؟» إلى: «لماذا جاء أبكر إلى هنا؟»
هذه العقلية لا تختلف كثيراً عن عقلية احتكار الثورة أو احتكار التاريخ أو احتكار الوطنية.
لقد عانى السودان طويلاً من فكرة أن بعض المدن والمراكز هي وحدها المؤهلة لصناعة المعرفة والسياسة والثقافة، بينما يُنظر إلى بقية البلاد باعتبارها مجرد ساحات لتلقي ما يُنتج في المركز.
والمفارقة أن بعض الذين ينتقدون المركزية السياسية والثقافية قد يقعون، دون أن يشعروا، في نسخة أخرى من المركزية؛ فيصبح المطلوب أن يتحرك المفكر داخل حدود جغرافية معينة، وأن يتحدث إلى جمهور محدد، وأن تُفهم مواقفه من خلال المكان الذي ظهر فيه، لا من خلال الأفكار التي طرحها.
وهذا بالضبط هو الفخ الذي يجب أن نتجاوزه.
إذا كان أبكر قد قال شيئاً خاطئاً في نيالا، فلنناقش الخطأ.
وإذا طرح فكرة تستحق النقد، فلنرد عليها بالحجة.
وإذا اختلف معه الحضور، فليختلفوا.
أما أن يصبح مجرد وجوده في مدينة نيالا موضع اعتراض، فهذه ليست مناقشة فكرية، وإنما محاولة لإعادة إنتاج الحواجز التي يفترض أن الفكر نفسه جاء لتجاوزها.
والأخطر أن يحدث ذلك تحت لافتة «الاستنارة».
فالمثقف المستنير لا يستبدل احتكار المركز باحتكار الهامش، ولا يستبدل هيمنة قبيلة بهيمنة قبيلة أخرى، ولا يقول إن شخصية فكرية تنتمي إلى هذه المساحة ولا يحق لها الحديث في تلك المساحة.
الاستنارة الحقيقية تعني تحرير الإنسان والفكرة والمجال العام من هذه الملكيات الوهمية.
فإذا كان البعض قد انتقد لعقود طويلة عقلية المركز التي جعلت الخرطوم مركز كل شيء، فلا يجوز أن نكرر الخطأ نفسه في الاتجاه المعاكس.
لا يمكن أن نقول إن الخرطوم لا ينبغي أن تكون محتكرة للمعرفة والثقافة والسياسة، ثم نبدأ نحن في تحديد المدينة التي يحق لمفكر مثل أبكر أن يقدم فيها ندوته.
ولا يمكن أن نرفض اختزال الثورة السودانية في قبيلة أو إقليم، ثم نحاول اختزال المفكرين والمثقفين أنفسهم داخل جغرافيا محددة.
السودان أكبر من هذه الحدود.
أبكر آدم إسماعيل ليس «ماركة» لقبيلة، ولا ملكاً لإقليم، ولا صوتاً محجوزاً لمدينة بعينها.
وكذلك الثورة السودانية ليست ملكية حصرية لقبيلة أو جهة أو إقليم.
والمدن السودانية ليست مناطق نفوذ ثقافي مغلقة.
نيالا من حقها أن تستضيف أبكر، كما أن من حق الفاشر وبورتسودان والخرطوم والجزيرة أبا وكوستي والجنينة وغيرها أن تستضيفه، أو تستضيف غيره من المفكرين.
بل إن وصول الأفكار إلى المدن التي عانت من الحرب والنزوح والتهميش ربما يكون أكثر أهمية من بقائها داخل القاعات المغلقة في المراكز التقليدية.
لذلك، بدلاً من أن نسأل: «لماذا يقدم أبكر ندوة في نيالا؟»
ربما يكون السؤال الأكثر أهمية:
ماذا قال أبكر في نيالا؟ وهل نملك الشجاعة الكافية لمناقشة أفكاره بعيداً عن قبيلته، ومكان الندوة، والجمهور الذي استمع إليه؟
لأننا إذا كنا نريد سوداناً جديداً فعلاً، فعلينا أن نتعلم أولاً كيف نختلف حول الأفكار، لا حول هوية صاحبها ومكان حديثه.
والقلم، كما يقول المثل، قد لا يزيل البلم؛ لكن الحوار الجاد، والنقد المسؤول، والوعي بخطورة الجهوية، يمكن أن يساعدنا على تفكيك الكثير من «البلامة» التي صنعتها السياسة السودانية طوال عقود.
المفكر لا يُحتكر، والفكرة لا تملكها جغرافيا، والثورة لا تحمل صك ملكية قبلياً.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.