لم تكن الحرب الدائرة في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع مجرد صراع عسكري على السلطة، بل تحولت إلى محرقة شاملة طحنت البنية البشرية والمادية للبلاد، وأفرزت واقعاً كارثياً لا منتصر فيه سوى الخراب. وفي خضم هذا الوجع اليومي، يبرز وجه آخر لا يقل خطورة عن أصوات الرصاص، يتمثل في تدمير الفضاء المعرفي والأخلاقي من خلال الاستقطاب الحاد، واحتكار سردية الحقائق، وتجريم كل من يحاول الوقوف في مساحة موضوعية لا تنحاز سوى للإنسان.
أدبيات التضليل وتوزيع صكوك الوطنية
من أبشع إفرازات هذا النزاع السقوط المريع في فخ التعميم وشيطنة الآخر. فعندما تُختزل المأساة في رواية أحادية تحمّل طرفاً وزر كل الكوارث، وتبرئ الطرف الآخر وكأنه يخوض حرباً بأدوات سلمية لا تخلّف دماراً، فإننا نكون أمام عملية غسيل أدمغة ممنهجة.
إن الانتهاكات وجرائم الحرب والدمار الممنهج لا تنتظر هوية طرف بعينه لكي تُرتكب؛ فهي من النتائج الطبيعية للحرب الأهلية. والأخطر من ذلك هو سعي بعض الدوائر الإعلامية والاجتماعية إلى ترهيب كل صوت مستقل أو محايد يحاول قول الحقيقة كاملة، ليصل الأمر إلى حد تخوين المدنيين أنفسهم، ووصمهم بالتبعية لمجرد رفضهم الانخراط في جوقة التحريض والتهليل.
حصار المعرفة والعقاب الجماعي
ولا يقتصر الاستهداف على الأرواح والممتلكات، بل امتد ليمس أبسط حقوق الإنسان في العيش والكرامة والمعرفة. إن محاولات حرمان مجتمعات بأكملها من أدوات التواصل والكهرباء والخدمات الأساسية، بل وحتى محاولة مصادرة حقهم في امتلاك المعرفة أو حرية الحركة بحجة الانتماء الجهوي أو الجغرافي، تمثل انتهاكاً بالغ الخطورة لحقوق الإنسان.
إن هندسة الحرمان المناطقي والخدمي، وتوظيف الجوع والعزلة كأدوات للعقاب الجماعي، تفضح عورات المشروع السياسي للأطراف المتحاربة، وتؤكد أن المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر في هذه المعادلة العبثية.
نحو استعادة العقل والحقيقة
إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب، أولاً وقبل كل شيء، شجاعة الاعتراف بالواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يُطرح في غرف الدعاية المظلمة.
إن محاربة ثقافة التخوين، ورفض التطهير المعنوي للمخالفين، وتفكيك سرديات الكراهية، هي الخطوة الأولى نحو بناء وعي وطني جديد يؤمن بأن دماء السودانيين جميعاً غالية، وأن الدمار لا يستثني أحداً.
وحده الصوت المدني الحر والمستقل قادر على كسر طوق الاستقطاب، ليعيد للكلمة أمانتها، وللحقيقة مكانتها المسلوبة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.