حين تهرب الطباشير من الفصول.. الحارة 15 «زقلونا» تدفع ثمن الحرب

بقلم: يوسف عز الدين

بين ليلة وضحاها، تبدلت ملامح الحارة (15) «زقلونا»، في محلية كرري، بحي المهدية في أم درمان، وانطفأت منارة كانت تضج بالحياة والأمل.

مدرسة «زقلونا»، ذلك الصرح التربوي العريق الذي تخرجت فيه أجيال أسهمت في صياغة تاريخ الحي، تحولت اليوم من منصة لتلقي العلم إلى مركز إيواء يعج بآلاف النازحين الذين فروا من ويلات الحرب والدمار.

في هذا التحول القاسي تكمن مأساة مزدوجة تعيشها المنطقة؛ مأساة جيل كامل من الطلاب يُهجّر قسراً من فصوله، ليواجه مصير الفاقد التربوي المجهول، ومأساة حي عريق انفرط عقد نسيجه الاجتماعي، وتغيرت تركيبته السكانية، لينسلخ عن أمانه القديم ويدخل في دوامة من الانفلات والنهب.

لم تكن مدرسة «زقلونا» مجرد جدران وأسقف، بل كانت ضابط إيقاع الحياة الاجتماعية في الحارة (15).

واليوم، يتأمل سكان الحي المشهد بحسرة؛ فقد أسفر النزوح الكثيف عن تدفق وجوه جديدة تماماً إلى المنطقة، وجوه لا تعرف تضامن الجيران ولا تقاليد الحي الراسخة.

وهذا التغير السكاني المفاجئ، تحت وطأة العوز وضغط الظروف المعيشية القاسية، فتح الباب أمام ظهور مشكلات أمنية لم يعهدها سكان المهدية من قبل.

وباتت حوادث النهب والسرقات في وضح النهار والتعدي على الممتلكات، خطراً يومياً يقض مضاجع الأسر.

غاب الأمان، وفقد الحي حصانته الاجتماعية التي بناها أهله عبر عقود من التراحم والتكافل.

يا حليلك يا أستاذ عبدالله «الدليل».. هيبة الزمن الجميل

في غمرة هذا الوجع، يقفز شريط الذكريات ليعمّق الإحساس بالفقد.

يتردد صدى الأسماء الوازنة في جنبات الحارة (15)، ويلهب اللسان بالتحسر: «يا حليلك يا الدليل، ويا حليلك يا أستاذة أميرة، ويا الأغبش، وأحمد الطويل، وأميمة! أين تلك الأيام التي كان يمسك فيها هؤلاء التربويون الأفاضل بزمام الأمور؟»

كان الأستاذ «الدليل» ورفاقه من القامات التربوية بمثابة صمامات أمان حقيقية للحي والمدرسة.

كانت الأستاذة أميرة أبوزيد تبث الدفء والأمومة في قلوب الطلاب، وكان الأغبش، وأحمد الطويل، وأميمة، وروضة، وماما آسيا إلياس، يمثلون الالتزام والوجدان الحي للتعليم.

تفرقوا في منافي النزوح واللجوء، وتركوا وراءهم إرثاً يبكيه المخلصون كلما مروا بأسوار مدرسة «زقلونا».

شبح الفاقد التربوي

إن تهجير الطلاب من مدارسهم وتحويلها إلى مراكز إيواء ليس مجرد إجراء اضطراري، بل هو تهديد مباشر لمستقبلهم التعليمي والمعرفي.

وهذا الوضع الكارثي يسهم بصورة مباشرة في تضخيم ظاهرة «الفاقد التربوي». فآلاف الأطفال في المهدية والحارات المجاورة باتوا بلا تعليم، وابتعدوا عن الحروف والكتب، وانخرط كثير منهم في سوق العمل الهامشي، أو أصبحوا فريسة للفراغ والتشرد.

كيف سيعوض هؤلاء الأطفال سنوات من أعمارهم ضاعت خارج قاعات الدرس؟

وكيف سنبني وطناً بنصف جيل من الأميين؟

حتى متى؟.. أسئلة مشروعة لوزارة التربية والسياسيين

أمام هذا الانهيار الشامل في البنية التعليمية، لا يمكننا الوقوف في مربع الصمت، بل نوجه حزمة من الأسئلة المشروعة إلى الساسة والمسؤولين في وزارة التربية والتعليم، الذين يكتفون بمشاهدة الكارثة من مكاتبهم البديلة.

إلى متى ستظل المدارس هي الخيار الأول والوحيد لإيواء النازحين؟

ألم تجد عقلياتكم السياسية بدائل أخرى، من معسكرات مؤقتة، أو دور حكومية مغلقة، أو ميادين مجهزة، بدلاً من التضحية بمستقبل الأطفال التعليمي؟

أين هي خطط الطوارئ البديلة لإنقاذ الطلاب؟

وما رؤيتكم لإخلاء هذه المدارس وإعادة تأهيلها بعد انتهاء الأزمة؟

أم أنكم ستتركون المدارس حطاماً، وتعلنون عجزكم التام، كما فعلتم في ملفات أخرى؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.