هناك طرق لا تُقاس بالكيلومترات، ولا بعدد السيارات التي تعبرها؛ لأنها ببساطة طرق تصل الناس بالحياة.
في شرق سنار، لم يعد الطريق مجرد طريق متعب أو قطاع يحتاج إلى صيانة، بل أصبح وجعاً يومياً يسكن تفاصيل حياة الناس. طريق كان يختصر الرحلة إلى سنار في نحو نصف ساعة، أصبحت الرحلة عبر المسارات البديلة تمتد إلى ثماني ساعات، بسبب الأمطار وانقطاع بعض قطاعاته.
ثماني ساعات… ليست رقماً عابراً. إنها ثماني ساعات من الألم والخوف والانتظار.
وحتى الوصول إلى سنار أصبح حلماً مكلفاً؛ فقد بلغت تكلفة المواصلات ذهاباً وإياباً نحو أربعين ألف جنيه، على مواطن أنهكته الحياة، ومشروعه الزراعي يعاني، ومصدر دخله يتراجع، وأسرته تنتظر منه ،المواطن هنا لا يدفع ثمن المواصلات من فائض ماله؛ بل يدفع من قوت أطفاله، ومن دواء مريضه، ومن احتياجات بيته. وقد يضطر أبٌ إلى تأجيل علاج ابنه لأنه لا يملك ثمن الطريق، وقد تضطر أسرة إلى الانتظار رغم المرض، فقط لأن الوصول إلى المستشفى أصبح فوق قدرتها.
تخيّلوا مريضاً يئن من الألم، وأسرة تحمله في عربة تبحث عن طريق، وامرأة حاملاً بدأت آلام الولادة، وأمّاً ترتجف خوفاً على طفلها، وشيخاً أنهكه العمر… ثم يجدون أمامهم طريقاً مقطوعاً.في تلك اللحظة، لا يكون الطريق مجرد تراب أو طين أو حفرة.
يصبح الطريق فاصلاً بين إنسان يريد أن يعيش، ومستشفى ينتظره.
طريق سنار الممتد من أقصى الشرق، مروراً بود درداب، والعزازات، وقوز بلعو و28، و25 مهلة، وأم حجر، ودار السلام، و18 مهلة، وود طويل، وأم قرقور، وفنقوقة وقري، ووحدة تكتوك، والريف الشرقي، وقرى مهلات 22 إلى 19 بانت، وصولاً إلى شمباتة والأسفلت، كان شرياناً لحياة الناس وحركة المنتجين، لكنه اليوم يئن مثل أهله، وينتظر يداً تمتد إليه قبل أن يزداد وجع المنطقة.
أما الطريق القومي سنار–ود تكتوك–ود الركين–الخِياري، فلا ينبغي النظر إليه باعتباره طريقاً محلياً يخدم منطقة بعينها؛ فهو طريق ذو أهمية قومية، يربط مناطق الإنتاج والخدمات، ويمثل حلقة وصل مهمة بين شرق السودان وغربه، ويسهم في حركة المواطنين والبضائع والمحاصيل بين الولايات. ولذلك فإن إكمال ما بدأ من أعمال فيه ضرورة لا تحتمل التأجيل، لأن اكتماله يعني فتح شريان حيوي أمام الحركة والتجارة والإنتاج، وربط المجتمعات والأسواق ببعضها، وتخفيف معاناة آلاف المواطنين.
فحين يتعطل الطريق، لا تتعطل السيارات وحدها؛ يتعطل العلاج، ويتعطل التعليم، وتتأخر المحاصيل، وترتفع تكلفة المعيشة،
ولهذا نناشد والي ولاية سنار، والمدير التنفيذي لمحلية شرق سنار، ومدير عام وزارة البنية التحتية والتخطيط العمراني، وإدارة مشروع السوكي الزراعي، أن ينظروا إلى هذا الطريق بعين الإنسان قبل عين المسؤول، وأن يتحركوا ميدانياً وبصورة عاجلة، وأن تُوجَّه الآليات فوراً لفتح القطاعات المتضررة، وتأمين ممر آمن لسيارات الإسعاف والحالات الطارئة، ثم للمواطنين والنقل الزراعي.
نحن لا نطلب طريقاً فاخراً، ولا إسفلتاً يليق بالمدن.
نطلب طريقاً لا يموت عليه مريض قبل أن يصل إلى المستشفى.
نطلب طريقاً لا يجعل امرأة في لحظة ولادتها تخشى أن تضع طفلها في منتصف الطريق.
نطلب طريقاً لا يجعل أباً يحمل طفله المريض، وهو لا يعرف هل سيصل به أم سيعود به.
نطلب فقط أن يستطيع الناس الوصول.
لأن خلف كل رحلة متعثرة قصة إنسان، وخلف كل سيارة متوقفة أمّ تنتظر، وخلف كل مريض متأخر أسرة معلقة بين الرجاء والخوف.
ثماني ساعات قد تمر على الطريق، لكنها على قلب أم تنتظر ابنها المريض قد تكون دهراً كاملاً.
وقد تكون الثماني ساعات أطول من أن يحتملها جسد مريض، أو قلب أم، أو امرأة تنتظر مولودها.
فلا تجعلوا الطريق شاهداً على موت الأمل.
افتحوا الطريق اليوم، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه إصلاح الطريق، لأن من كان ينتظر الوصول… لم يعد موجوداً.
إن صيانة طرق شرق سنار ليست مجرد مسؤولية هندسية أو خدمية؛ إنها مسؤولية إنسانية وأخلاقية، وواجب تجاه أناس لم يطلبوا أكثر من حقهم في الوصول إلى العلاج، وإلى السوق، وإلى الحياة.
افتحوا الطريق… فهناك من ينتظر على الطرف الآخر، وقد لا يحتمل الانتظار أكثر.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.