تصاعدت خلال الآونة الأخيرة، ولا سيما في مناطق وسط القاهرة وحي فيصل بمحافظة الجيزة، حدة التوترات المرتبطة بملف إيجار الشقق السكنية للمواطنين السودانيين، وسط شكاوى من دعوات لإخلاء بعض العقارات، وإنذارات وُجّهت إلى مستأجرين سودانيين بضرورة مغادرة مساكنهم.
وأثارت هذه الممارسات انتقادات من قانونيين ونشطاء حقوقيين، اعتبروا أن التعامل الجماعي مع المستأجرين على أساس الجنسية يثير تساؤلات قانونية وحقوقية، خصوصاً في ظل العلاقات التاريخية بين مصر والسودان واتفاقية «الحريات الأربع» التي تنظم عدداً من أوجه التعامل بين مواطني البلدين.
ويرى منتقدون أن الخلافات المتعلقة بالإيجارات أو المخالفات القانونية ينبغي التعامل معها وفق القانون وعلى أساس الحالات الفردية، بعيداً عن التعميم أو اتخاذ إجراءات جماعية تستهدف المستأجرين السودانيين.
طفرة في سوق الإيجارات
في المقابل، تكشف حركة سوق العقارات خلال السنوات الماضية عن تأثير اقتصادي واضح للوجود السوداني في مصر، إذ أدى تدفق أعداد كبيرة من الأسر السودانية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 إلى ارتفاع الطلب على الشقق السكنية، ولا سيما المفروشة منها، في عدد من المناطق ذات الكثافة السكانية السودانية.
وساهم الطلب المتزايد في تنشيط سوق الإيجارات وتحقيق عوائد مرتفعة لعدد من ملاك العقارات، بعد فترة من الهدوء والركود النسبي الذي شهدته بعض قطاعات السوق العقاري.
ويشير مراقبون إلى أن هذه الحركة لم تقتصر على الإيجارات، بل امتدت إلى قطاعات أخرى مرتبطة بإقامة السودانيين، من النقل والخدمات والتجارة والتعليم والرعاية الصحية، ما جعل الوجود السوداني جزءاً مؤثراً في الدورة الاقتصادية المحلية.
تحويلات ونفقات تدعم الاقتصاد
كما ترتبط إقامة السودانيين في مصر بتدفقات مالية من الخارج، تشمل تحويلات أسرية من أقارب ومغتربين في دول الخليج وأوروبا وغيرها، إلى جانب مساعدات نقدية تقدمها منظمات ووكالات دولية للاجئين وطالبي الحماية.
وتنعكس هذه التدفقات على الإنفاق المحلي من خلال توجيه جزء كبير منها إلى الإيجارات والغذاء والنقل والخدمات، بما يخلق دورة اقتصادية تستفيد منها قطاعات واسعة من السوق المصري.
غير أن الحديث عن مساهمة السودانيين في توفير النقد الأجنبي أو دعم احتياطيات الدولة يحتاج إلى تمييز دقيق بين الأموال التي تدخل عبر القنوات المصرفية الرسمية وتلك التي تُنفق مباشرة أو تصل عبر قنوات أخرى، حتى لا تختلط آثار الإنفاق المحلي بالأثر المباشر على احتياطيات البنك المركزي.
الحريات الأربع بين النص والتطبيق
ويعيد الجدل حول السكن والإقامة فتح نقاش أوسع بشأن مستقبل تطبيق اتفاقية «الحريات الأربع» بين مصر والسودان، ومدى انعكاسها عملياً على حياة المواطنين، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب السودانية وأدت إلى وجود أعداد كبيرة من السودانيين داخل مصر.
ويحذر مراقبون من أن تحويل بعض المخالفات أو النزاعات الفردية إلى إجراءات ذات طابع جماعي قد يفاقم التوترات الاجتماعية، فضلاً عن تأثيره المحتمل على سوق الإيجارات الذي استفاد بصورة كبيرة من الطلب السوداني خلال السنوات الماضية.
ويرى هؤلاء أن المعالجة الأكثر توازناً تتمثل في تطبيق القانون على المخالفات الفردية، وحماية حقوق الملاك والمستأجرين على حد سواء، مع تجنب أي ممارسات تقوم على التمييز بسبب الجنسية، بما يحافظ على الاستقرار الاجتماعي والمصالح الاقتصادية المشتركة بين البلدين.
وبينما يبحث ملاك العقارات عن حماية حقوقهم وتنظيم سوق الإيجارات، يتمسك سودانيون بحقهم في السكن والاستقرار، لتبقى أزمة الشقق في مصر اختباراً عملياً ليس فقط للعلاقة الاقتصادية بين البلدين، وإنما أيضاً لقدرة «الحريات الأربع» على الانتقال من الاتفاقيات والنصوص إلى واقع يضمن الحقوق ويوازن بين المصالح.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.