بينما يواصل السودانيون دفع ثمن حرب دخلت عامها الرابع، تتجه الأنظار اليوم الاثنين إلى مجلس الأمن الدولي، في جلسة يُنتظر أن تبحث حماية المدنيين والتداعيات الإنسانية للصراع، وسط تصاعد الدعوات إلى الحد من أدوات الحرب التي حولت مدناً وقرى سودانية إلى ساحات مفتوحة للنيران.
وتأتي الجلسة في توقيت بالغ الحساسية، مع تزايد الحديث عن فرض حظر جوي على السودان وتوسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل البلاد، وسط معلومات متداولة عن تحركات أميركية في هذا الاتجاه.
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان مجلس الأمن سيصدر بياناً جديداً، وإنما ما إذا كان مستعداً للانتقال من الإدانة إلى الفعل، ومن لغة القلق إلى إجراءات قادرة على تغيير قواعد الحرب.
وبحسب ما نشره موقع @UNSC_Reports المتخصص في متابعة أعمال مجلس الأمن، فإن الجلسة تركز على حماية المدنيين، من دون إعلان رسمي حتى الآن عن مشروع قرار لفرض حظر جوي أو توسيع حظر السلاح.
وهنا يبرز السؤال الذي يطارد السودانيين منذ سنوات:
كم بياناً دولياً يحتاجه بلد يُقتل فيه المدنيون، قبل أن تتحول الدعوات إلى حمايتهم إلى إجراءات فعلية؟
الطيران.. عندما تتحول السماء إلى جبهة حرب
في السودان، لم تعد الحرب معركة على الأرض وحدها. فالسماء أصبحت جبهة رئيسية، والطيران الحربي أحد أكثر أدوات الصراع تأثيراً في حياة المدنيين.
وتشير تقارير حقوقية وأممية إلى سقوط مدنيين جراء غارات جوية استهدفت مناطق مأهولة ومنشآت مدنية، بينما تحدثت شهادات وتقارير عن أضرار طالت أسواقاً ومنازل ومدارس ومرافق صحية ومصادر للمياه.
وهنا تكمن خطورة القصف الجوي.
فاستهداف موقع عسكري يختلف قانونياً وعملياً عن سقوط قنبلة وسط حي سكني أو سوق مكتظ. وعندما تتكرر الضربات في مناطق مدنية، تتحول المسألة من مجرد عمليات عسكرية إلى اختبار مباشر لمدى التزام أطراف الحرب بقواعد القانون الدولي الإنساني.
لذلك، فإن الدعوة إلى حظر الطيران لا ينبغي اختزالها في كونها اصطفافاً سياسياً مع طرف ضد آخر، بل يمكن النظر إليها كإجراء يهدف إلى تقليص إحدى أكثر أدوات الحرب قدرة على إيقاع الخسائر بين المدنيين.
من يملك السماء.. يملك ورقة إضافية في الحرب
الطيران لا يقتل المدنيين فقط؛ بل يمنح الحرب قدرة أكبر على الاستمرار.
فحين يمتلك أحد الأطراف تفوقاً جوياً، يصبح من الأسهل عليه التعويل على القوة العسكرية بدلاً من تقديم تنازلات سياسية، خصوصاً إذا كان يعتقد أن القصف قادر على تغيير موازين المعركة.
وهنا يتحول التفوق الجوي من أداة عسكرية إلى ورقة سياسية.
ويرى مؤيدو حظر الطيران أن حرمان أي طرف من هذه الميزة قد يقلل قدرته على فرض معادلة عسكرية منفردة، ويدفعه إلى إعادة حساباته والبحث عن مخرج تفاوضي.
لكن اختزال الحرب السودانية في الطيران وحده سيكون خطأً آخر.
فالجيش والدعم السريع يمتلكان قدرات برية مختلفة، والحرب مرتبطة أيضاً بشبكات السلاح والتمويل والدعم الخارجي والسيطرة على الأرض والموارد.
لذلك، فإن حظر الطيران لن يكون حلاً سحرياً، لكنه قد يصبح جزءاً من معادلة ضغط أوسع إذا اقترن بوقف تدفق السلاح والضغط السياسي الحقيقي على جميع الأطراف.
طيران أجنبي ودعم خارجي.. أين تنتهي الحرب الداخلية؟
يزداد المشهد تعقيداً مع الاتهامات المتبادلة بشأن الدعم العسكري الخارجي.
وقال القيادي في تحالف شركاء التغيير والمستقبل، طه أبو بكر، إن الانتصارات التي حققها الجيش في عدد من المحاور اعتمدت، بحسب قوله، بدرجة كبيرة على الطيران الأجنبي والمسيرات التركية، متحدثاً عن معلومات بشأن مشاركة طيران أجنبي وطيارين من خارج السودان في معارك حاسمة.
وهذه الاتهامات تحتاج إلى تحقيق مستقل للتحقق منها، لكنها تفتح الباب أمام سؤال أكبر من تفاصيل كل معركة:
إذا كانت أطراف الحرب تعتمد على دعم عسكري خارجي، فإلى أي مدى يمكن اعتبار الصراع سودانياً خالصاً؟
فكلما دخلت الطائرات والسلاح والخبرات والتمويل الخارجي إلى المعركة، اتسعت دائرة المصالح التي تحمي استمرارها.
وهنا يصبح الحديث عن “الحسم العسكري” أكثر تعقيداً؛ لأن ما يبدو انتصاراً لطرف على الأرض قد يكون، جزئياً، نتيجة لتوازنات إقليمية ودولية تتجاوز حدود السودان.
حظر الطيران.. حماية للمدنيين أم إعادة تشكيل للحرب؟
من الناحية الإنسانية، تبدو فكرة الحظر الجوي جذابة: تقليل الغارات يعني تقليل مخاطر القتل والدمار، وفتح مساحة أكبر أمام المدنيين والمنظمات الإنسانية للعمل.
لكن السياسة الدولية أكثر تعقيداً.
ففرض منطقة حظر جوي يحتاج إلى قرار دولي واضح، وآلية للمراقبة، وقدرة على التنفيذ، واستعداد للتعامل مع أي طرف يخالف القرار.
وإذا غاب ذلك، فقد يتحول الحظر إلى مجرد عنوان سياسي لا يغيّر شيئاً في الميدان.
والأخطر هو أن يتحول الحظر إلى إجراء انتقائي يخدم طرفاً على حساب آخر. فإذا مُنع طرف من استخدام الطيران بينما استمر تدفق السلاح والدعم العسكري إلى خصمه، فلن يكون الإجراء حماية محايدة للمدنيين، بل تدخلاً في ميزان الحرب.
لهذا، فإن أي قرار جاد يجب أن يكون شاملاً، قابلاً للتنفيذ، وموجهاً لحماية المدنيين لا لترجيح كفة عسكرية.
السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه
السودانيون لا يحتاجون إلى مجلس أمن يسجل أعداد الضحايا بعد كل غارة.
ولا يحتاجون إلى بيانات جديدة تؤكد أن المدنيين “يجب” حمايتهم.
هم يحتاجون إلى إجراءات تمنع قتلهم.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي للمجتمع الدولي ليس قدرته على إصدار بيان متوازن، وإنما قدرته على تحديد المسؤوليات وفرض تكلفة حقيقية على استمرار الانتهاكات.
إذا كان القصف الجوي يمثل تهديداً للمدنيين، فالسؤال يجب أن يكون واضحاً:
من يقصف؟ من يسلح؟ من يمول؟ ومن يوفر الغطاء السياسي؟
أما إدانة النتائج وترك أسباب الحرب مفتوحة، فليست حماية للمدنيين، وإنما إدارة دولية للكارثة.
من السماء إلى طاولة التفاوض
يمكن لحظر الطيران، إذا فُرض بآلية عادلة وفعالة، أن يكون جزءاً من حزمة أوسع تشمل حماية المدنيين، وتوسيع حظر السلاح، وفتح الممرات الإنسانية، وملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات، وفرض ضغوط سياسية واقتصادية على أطراف الحرب.
لكن الحظر الجوي لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحل السياسي.
فالحرب السودانية لن تنتهي فقط عندما تتوقف الطائرات، وإنما عندما يسقط الاعتقاد بأن السودان يمكن إخضاعه بالقوة.
ومن هنا، فإن معركة حظر الطيران ليست معركة تقنية حول الطائرات والأجواء فقط، بل معركة حول مستقبل الحرب نفسها.
فهل يريد المجتمع الدولي وقف الحرب فعلاً، أم يريد فقط أن يبدو وكأنه يفعل شيئاً؟
ذلك هو السؤال الحقيقي.
والفارق بين الإجابتين قد يكون، بالنسبة لملايين السودانيين، الفارق بين أن يصلوا إلى الغد أو لا يصلوا إليه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.