كثيراً ما عرف التاريخ قيادات جمعت بين الصرامة العسكرية والحنكة السياسية، فكان السلاح عندها وسيلة في لحظة، والسياسة مشروعاً في لحظة أخرى. ومن ونستون تشرشل إلى تشي جيفارا، تختلف التجارب والأفكار، لكن يجمع بينها شيء واحد: أن القيادة الحقيقية لا تقوم على امتلاك القوة وحدها، وإنما على القدرة على تحويل القوة إلى رؤية.
وهنا تحديداً تبرز المفارقة في تجربة مني أركو مناوي.
فبعد سنوات طويلة قضاها في المشهد المسلح والسياسي، يجد الرجل نفسه اليوم أمام امتحان مختلف: ليس امتحان القدرة على حمل السلاح، وإنما امتحان القدرة على فهم السياسة ومسؤولية الخطاب، والتمييز بين ما يمكن أن يقال في مجلس مغلق، وما يجوز أن يصدر عن رجل يشغل موقعاً سياسياً في بلد يعيش واحدة من أكثر لحظاته دموية وانقساماً.
ولعل بعض ما ورد في حديث مناوي خلال لقائه بأحد الصحفيين في جنوب السودان يعكس هذه المعضلة بوضوح. فحين يصبح خطاب السياسي مثيراً للدهشة أكثر من كونه باعثاً على التفكير، وحين تتحول التصريحات إلى مادة للجدل بدلاً من أن تكون جسراً للحل، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بالتصريح وحده، بل بمستوى الوعي السياسي الذي يقف خلفه.
السياسي المحترف لا يُقاس فقط بما يعرفه، وإنما أيضاً بما يعرف متى يقول، وماذا يقول، وما الذي يمكن أن تفعله كلماته في مجتمع ممزق.
ومن هنا تبدو بعض تصريحات مناوي، خصوصاً تلك التي تتناول مصير الفاشر أو تربط سقوطها بمصير جنوب السودان، أقرب إلى خطاب سياسي يفتقر إلى التقدير الدقيق لتعقيدات الواقع السوداني والإقليمي.
فالفاشر ليست مجرد مدينة في خطاب سياسي، وجنوب السودان ليس ورقة في معادلة سودانية داخلية، والسودان نفسه ليس رقعة شطرنج تتحرك عليها النخب السياسية وفق حسابات اللحظة.
الوطن أكبر من تصريحات القادة، وأبقى من تحالفاتهم.
ولذلك فإن المشكلة ليست في أن يختلف المرء مع مناوي، وإنما في أن يسأل: كيف يمكن لرجل خاض تجربة سياسية وعسكرية طويلة أن ينتج خطاباً لا يرتقي دائماً إلى حجم المسؤولية التي يفترض أن يحملها؟
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر إزعاجاً:
كيف دخل مني أركو مناوي إلى عالم القيادة أصلاً؟
السؤال ليس طعناً في شخص الرجل، بقدر ما هو سؤال عن البيئة التي أنتجت هذا النوع من القيادات في السودان.
ففي بلدٍ مزقته الحروب، كثيراً ما أصبحت البندقية طريقاً مختصراً إلى الشهرة السياسية، وأصبح امتلاك القوة العسكرية يمنح صاحبه موقعاً تفاوضياً لا تمنحه المؤسسات المدنية بالضرورة.
وهكذا نشأ جيل من القيادات التي تعلمت كيف تقاتل، وكيف تفاوض، وكيف تساوم، لكنها لم تتعلم بالقدر نفسه كيف تبني الدولة.
وهذه هي المعضلة الحقيقية.
فالقائد العسكري يستطيع أن يقود مجموعة في ميدان المعركة، لكن رجل الدولة مطالب بأن يقود مجتمعاً بكل تناقضاته. الأول يبحث عن الانتصار على الخصم، والثاني يبحث عن صيغة يستطيع فيها الخصوم أنفسهم أن يعيشوا داخل وطن واحد.
الفرق بين الاثنين هو الفرق بين الحرب والسياسة.
ومن المؤسف أن بعض القيادات السودانية لم تدرك أن الانتقال من الحركة المسلحة إلى الدولة يتطلب تغييراً جذرياً في العقلية.
فالحركة تحتاج إلى عدو.
أما الدولة فتحتاج إلى مواطن.
الحركة تبحث عن الولاء.
أما الدولة فتبني المؤسسات.
الحركة تستطيع أن تعيش على ذاكرة الصراع.
أما الدولة فلا تستطيع أن تحكم المستقبل بعقلية الماضي.
ومن هنا يصبح نقد مناوي جزءاً من نقد أوسع لمنظومة سياسية كاملة صنعتها الحرب، ثم طلبت منها الحرب نفسها أن تصنع السلام.
وهذا تناقض لا يمكن تجاوزه بالشعارات.
فإذا كان مشروع «حرب الكرامة» قد قُدّم باعتباره دفاعاً عن الوطن أو عن قضية عادلة، فإن معيار الكرامة الحقيقي لا ينبغي أن يكون عدد المقاتلين أو حجم السلاح، وإنما حجم ما يتحقق للإنسان من أمن وعدالة وحرية وحقوق.
فالكرامة التي لا تحمي الإنسان من الموت ليست كرامة كاملة.
والسياسة التي لا تمنح المواطن أمناً ليست سياسة ناجحة.
والقيادة التي لا تستطيع أن تحوّل آلام الناس إلى مشروع سلام ليست سوى استمرار آخر للحرب، ولكن بأدوات مختلفة.
وهنا تحديداً تكمن خطورة تحويل المظلومية إلى مصدر دائم للشرعية.
نعم، لدارفور مظالم تاريخية حقيقية.
نعم، عانى أهلها من التهميش والعنف والانهيار.
لكن الاعتراف بالمظلومية لا يعني منح أي قائد حصانة من النقد.
المظلومية تفسر الثورة، لكنها لا تمنح الثائر صكاً مفتوحاً للصواب.
وهذا المبدأ يجب أن ينطبق على الجميع.
فإذا كانت المشكلة في السودان هي إنتاج الدولة الظالمة، فإن الحل لا يمكن أن يكون بإنتاج مراكز قوة جديدة تعيد توزيع الظلم بين الأطراف.
المطلوب دولة لا تحتاج فيها دارفور إلى قائد مسلح كي يسمع صوتها، ولا يحتاج فيها الشرق إلى بندقية كي يطالب بحقه، ولا يحتاج فيها أي إقليم إلى حمل السلاح كي يصبح مواطنوه مرئيين في الخرطوم.
هذه هي الدولة التي ينبغي أن تكون غاية كل مشروع سياسي حقيقي.
أما أن يتحول القائد من مقاتل إلى مسؤول، ومن مسؤول إلى جزء من السلطة، بينما يبقى المواطن محاصراً في دائرة الحرب نفسها، فهنا يصبح السؤال مشروعاً:
ماذا تغير فعلاً؟
لقد شبع السودان من الزعامات التي تعرف كيف تتحدث باسم الشعب، لكنه ما زال يبحث عن قيادات تستطيع أن تعمل من أجل الشعب.
والتاريخ لا يخلد السياسي لأنه كان الأعلى صوتاً، ولا لأنه خاض أطول الحروب، ولا لأنه نجح في البقاء داخل المشهد السياسي.
التاريخ يسأل سؤالاً واحداً:
ماذا تركت وراءك؟
هل تركت دولة أقوى؟
هل تركت مواطناً أكثر أمناً؟
هل قللت من مساحة الحرب؟
هل ساهمت في بناء مؤسسات تستطيع أن تستمر بعد رحيلك؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن كل الشعارات تصبح مجرد ضجيج سياسي.
ومن هنا، فإن مسيرة مناوي تستحق أن تُقرأ بعيداً عن التقديس وبعيداً عن الشيطنة أيضاً.
فالرجل جزء من تاريخ دارفور، وجزء من تاريخ الحركات المسلحة، وجزء من التحولات السياسية التي شهدها السودان. لكن الانتماء إلى التاريخ لا يعني امتلاك الحق في تفسيره وحدك، والمشاركة في صناعة الأحداث لا تعني أنك أصبحت فوق النقد.
بل العكس تماماً.
كلما كبر موقع السياسي، كبرت مسؤوليته، وضاقت مساحة العذر أمام أخطائه.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح على مناوي ليس: كم سنة قضيت في النضال؟
ولا: كم معركة خضت؟
ولا: كم اتفاقية وقعت؟
السؤال هو:
ماذا صنعت بكل هذه السنوات؟
فإذا كان القائد قد خرج من الحرب ليصنع السلام، فهذه بطولة.
وإذا خرج من الهامش ليبني دولة لا تهمش أحداً، فهذه قيادة.
أما إذا خرج من الحرب إلى السلطة، ثم حمل معه عقلية الحرب إلى مؤسسات الدولة، فإن السودان لم يكسب قائداً جديداً؛ بل كسب نسخة أخرى من الأزمة.
وفي نهاية المطاف، قد يكون عنوان هذه المرحلة أكثر دلالة مما يبدو:
مني أركو مناوي شال عوداً وجقّو بعينو.
فمن يرفع عود السياسة فعليه أن يعرف أن السياسة ليست لعبة، وأن العين التي يُجق بها العود ليست عين الخصم وحده؛ إنها عين التاريخ أيضاً.
والتاريخ لا يرحم.
إنه ينتظر حتى تهدأ البنادق، وتسقط الشعارات، وتنتهي التحالفات، ثم يسأل القادة سؤالاً واحداً:
هل كنتم جزءاً من مشكلة السودان، أم كنتم جزءاً من الحل؟
وهنا فقط تبدأ المحاسبة الحقيقية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.