حصار الغذاء يطرق أبواب دارفور.. الأمن أم عقاب المدنيين؟

تقرير: عين الحقيقة

في وقت تتسع فيه رقعة الجوع والحاجة بفعل الحرب، تتحول الطرق المؤدية إلى دارفور إلى ساحات جديدة للصراع، ليس بالسلاح وحده، وإنما عبر تقييد حركة السلع الأساسية التي يعتمد عليها المدنيون للبقاء.

وتثير قرارات صادرة عن سلطات في مناطق خاضعة لسيطرة الجيش، تقضي بمنع أو تشديد القيود على نقل البضائع والسلع إلى ولايات غرب السودان، أسئلة متزايدة حول حدود الضرورات الأمنية، وما إذا كانت مواجهة خطوط إمداد قوات الدعم السريع قد تحولت إلى إجراءات تطال المدنيين، وتضيّق عليهم سبل الحصول على الغذاء والدواء والاحتياجات اليومية.

وتقول السلطات إن هذه الإجراءات تستهدف مكافحة التهريب وقطع خطوط الإمداد عن القوات المتحاربة وتأمين المناطق الواقعة تحت سيطرتها، في ظل استمرار الحرب وتداخل طرق التجارة مع مسارات الإمداد العسكري.

لكن منتقدين يرون أن التوسع في حظر السلع المدنية لا يمكن تبريره بالكامل باعتبارات أمنية، محذرين من أن تحميل السكان كلفة الصراع بين الأطراف المسلحة قد يفتح الباب أمام ما يشبه العقاب الجماعي، بينما يدفع المدنيون وحدهم ثمن هذه القيود.

قيود تطال السلع الأساسية

وأثارت قرارات والي الولاية الشمالية استنكاراً من قطاعات سودانية، حذرت من أن تقييد حركة السلع إلى دارفور ومناطق غرب البلاد قد لا يقطع بالضرورة خطوط إمداد المقاتلين، لكنه يرفع تكلفة الحياة على السكان الذين أنهكتهم الحرب، ويدفع الأسواق المحلية إلى مزيد من الاضطراب والغلاء.

وفي هذا السياق، اتهم إدريس لقمة، القيادي في حركة العدل والمساواة، والي الولاية الشمالية، اللواء معاش عبد الرحمن عبد الحميد، بمنع مرور شحنات تضم سلعاً أساسية متجهة إلى ولايات دارفور.

وقال لقمة، في منشور على صفحته بموقع «فيسبوك»، إن قائمة السلع المشمولة بالقيود تضم الدقيق والسكر والزيت والملح والبسكويت والصابون ومواد التنظيف وتنقية مياه الشرب والملابس وحفاضات الأطفال.

وأضاف أن السلطات صادرت عشرات السيارات المحملة بهذه المواد، وأن الإجراءات مستمرة منذ أشهر، متسائلاً عن المبرر الأمني لإدراج الغذاء واحتياجات الأطفال ومواد النظافة وتنقية المياه ضمن السلع المقيدة.

ويرى لقمة أن تشديد الرقابة على الوقود وإطارات السيارات قد يجد تفسيراً أمنياً، باعتبار إمكانية استخدامها في العمليات العسكرية، لكنه رفض وضع المواد الغذائية والصحية في الخانة ذاتها، محذراً من أن استمرار هذه السياسات يضاعف معاناة السكان في دارفور ويهدد بتفاقم أزمة الغذاء.

الأسواق تدفع الثمن

وتنعكس القيود، بحسب إفادات محلية، على أسعار السلع في مناطق مليط والمالحة وكتم، التي سجلت مستويات قياسية، واضعة المدنيين أمام معادلة قاسية: كلما تشددت القيود على حركة البضائع، ارتفعت كلفة الحصول على أبسط الاحتياجات.

وفي المقابل، تتراجع قدرة الأسر التي فقدت مصادر دخلها بسبب الحرب على تأمين الغذاء والدواء، في وقت أصبحت فيه الأسواق المصدر الرئيسي للغالبية العظمى من السكان للحصول على احتياجاتهم الأساسية.

ولا يقتصر الجدل على الولاية الشمالية وحدها. ففي 23 أغسطس الجاري، أعلن قائد الفرقة 18 مشاة بولاية النيل الأبيض، اللواء الركن جمال جمعة آدم، استمرار التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية لبسط الأمن وتأمين حدود الولاية، وذلك عقب ضبط 79 برميلاً من الوقود المهرب في مناطق متفرقة غرب الولاية، وفق ما نقلته وكالة السودان للأنباء «سونا».

وتعكس هذه الإجراءات اتجاهاً أوسع نحو تشديد الرقابة على حركة السلع والوقود بين مناطق السيطرة المختلفة، في محاولة لمنع وصول الإمدادات إلى القوات المتحاربة، لكنها في الوقت ذاته تضع التجارة المدنية أمام اختبارات أمنية متزايدة.

بين الأمن والتجويع

وبينما تتمسك السلطات بمنطق الضرورات الأمنية ومكافحة التهريب، يرى منتقدو هذه السياسات أن الأمن لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لإغلاق الطرق أمام السلع المدنية، وأن قطع الإمدادات العسكرية يجب أن يظل منفصلاً بوضوح عن تجويع السكان أو حرمانهم من احتياجاتهم الأساسية.

وتزداد خطورة هذه الإجراءات في ظل حرب أفرزت مستويات غير مسبوقة من النزوح والفقر وانعدام الأمن الغذائي، وجعلت ملايين السودانيين يعتمدون على الأسواق والمساعدات الإنسانية للحصول على أبسط مقومات الحياة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار سياسة تقييد السلع تحت عنوان مواجهة قوات الدعم السريع قد تكون له كلفة تتجاوز الجانب الإنساني؛ إذ يمكن أن يعمق الانقسامات المناطقية والاجتماعية التي خلقتها الحرب، ويزيد الشعور بالتهميش والعزلة في مناطق غرب السودان، في وقت يحتاج فيه المدنيون إلى فتح الممرات أمام الغذاء والدواء، لا إغلاقها.

من يضمن عدم معاقبة المدنيين؟

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تستطيع سلطات بورتسودان ضمان أن إجراءاتها تستهدف الإمدادات العسكرية فعلاً، من دون أن تتحول إلى حصار اقتصادي يطال المدنيين؟

ففي الحرب، قد تكون السيطرة على الطرق جزءاً من المعركة، لكن تحويل الغذاء والدواء واحتياجات الأطفال إلى أدوات ضغط يضع المدنيين في قلب الصراع، ويجعلهم يدفعون ثمن حرب لم يختاروها.

وبين ضرورات الأمن وحق الإنسان في الغذاء والحياة، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى إجراءات دقيقة تميز بوضوح بين ما يمكن أن يخدم العمليات العسكرية، وما يمثل حقاً أساسياً للمدنيين لا ينبغي أن يكون رهينة للصراع.

وفي الواقع، لا تكمن المعضلة في حق السلطات في مكافحة التهريب وتأمين مناطق سيطرتها، وإنما في حدود هذه الإجراءات وآثارها على المدنيين. فكلما اتسعت قائمة السلع المحظورة، أصبح من الصعب الفصل بين استهداف الإمداد العسكري وفرض كلفة اقتصادية وإنسانية على سكان يعيشون أصلاً تحت وطأة الحرب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.