في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لأحد أهم المنتجات الاستراتيجية في السودان، جمّدت وزارة الزراعة والري عمل اللجنة القومية المكلفة بملف الصمغ العربي، بعد 51 يومًا فقط من تشكيلها، وقبل نحو 71 يومًا من انعقاد الدورة الخامسة والأربعين للجنة الكودكس المعنية بالتغذية والأغذية للاستخدامات الغذائية الخاصة في مدينة نورمبرغ الألمانية.
مع العلم إن اللجنة قامت بالتنسيق مع الأجهزة المختصة بشأن اجتماع الكودكس لإقليم الشرق الأدنى، الذي يضم 49 دولة، بهدف حشد الدعم وكسب أصوات الدول الأعضاء لصالح السودان عند الترشيح المقرر في نوفمبر المقبل، كما كان ضمن برنامج عمل اللجنة تقديم عرض تعريفي حول مهمة وخطة خبراء السودان المشاركين في اجتماعات الكودكس خلال نوفمبر، وكان من المقرر أن يُقدَّم هذا العرض اليوم الأربعاء 26 أغسطس، في تمام الساعة الواحدة ظهراً بتوقيت السودان، إلا أنه، ونظراً لقرار تجميد عمل اللجنة، فقد تم تأجيل العرض إلى حين إشعار آخر.
ويضع القرار ملفًا اقتصاديًا وعلميًا بالغ الأهمية أمام أسئلة عاجلة، في وقت يسعى فيه السودان منذ سنوات إلى تعزيز الاعتراف الدولي بالخصائص الوظيفية للصمغ العربي، وعلى وجه الخصوص إمكان اعتباره مصدرًا طبيعيًا للبريبايوتيك، بما يمكن أن ينقل المنتج السوداني من مجرد مادة خام تُصدّر بأسعار محدودة إلى مكوّن غذائي وظيفي عالي القيمة في الأسواق العالمية.
وجاء تجميد اللجنة بموجب خطاب صادر بتاريخ 23 أغسطس 2026 عن مدير المكتب التنفيذي الوزاري أنس مالك محجوب، وموجّه إلى وكيل وزارة الزراعة والري بصفته رئيس اللجنة، طالب فيه بـ«تجميد عمل اللجنة لحين إشعار آخر» وفقًا لتوجيهات الوزير.
ولم يتضمن الخطاب، الذي لا يتجاوز أسطرًا معدودة، أي أسباب فنية أو إدارية للقرار، كما لم يوضح الجهة التي ستتولى متابعة الملف خلال الفترة المتبقية قبل الاجتماع الدولي، وهو ما يضاعف التساؤلات بشأن مستقبل الجهد السوداني في هذا الملف.
وتظهر في الوثائق نفسها ملاحظة أخرى تستحق التوقف، إذ أشار خطاب التجميد إلى أن القرار الوزاري رقم (21) لسنة 2026 صدر في 13 يونيو، بينما يحمل القرار نفسه تاريخ الثالث من يوليو 2026، الموافق الثامن عشر من محرم 1448 هجرية، ما يكشف عن تضارب واضح في تاريخ القرار المشار إليه.
وكان وزير الزراعة والري البروفيسور عصمت قرشي عبد الله قد أصدر في الثالث من يوليو الماضي القرار رقم (21) بتكوين اللجنة برئاسة وكيل الوزارة وعضوية نخبة من العلماء والخبراء والمختصين السودانيين في الداخل والخارج.
وأنيط باللجنة عمل واسع يتجاوز مجرد التمثيل في اجتماع دولي، إذ شمل تحديد الوضع الراهن للصمغ العربي وموقفه دوليًا، وتجميع الدراسات والبحوث الكيميائية والمخبرية والسريرية المتعلقة بخصائصه الحيوية، وإعداد ملف فني متكامل يدعم الاعتراف به كمكوّن مغذٍ للبكتيريا النافعة، إلى جانب ضمانات الإنتاج العضوي وسلاسل التتبع الرقمية والبصمة الكيميائية للمنتج.
كما كُلّفت اللجنة بإعداد المذكرات والردود الفنية والقانونية على استفسارات اللجان التابعة لهيئة دستور الأغذية العالمي «الكودكس»، وإجراء اتصالات فنية ودبلوماسية مع الدول الداعمة للمقترح السوداني، والإشراف على التجارب التكميلية بالتنسيق مع هيئة البحوث الزراعية وهيئة المواصفات السودانية والمعامل الوطنية المتخصصة، إلى جانب الاتفاق على فريق تفاوض متكامل يمثل السودان.
ولهذا فإن قرار تجميدها لا يتعلق بلجنة إدارية عادية، وإنما يوقف، في توقيت بالغ الحساسية، جسمًا فنيًا جرى تكليفه بإعداد ملف يمكن أن تكون له آثار اقتصادية كبيرة على مستقبل الصمغ العربي السوداني.
وتنعقد الدورة الخامسة والأربعون للجنة الكودكس للتغذية والأغذية للاستخدامات الغذائية الخاصة في نورمبرغ بألمانيا من 2 إلى 6 نوفمبر 2026، بعد أن كانت الدورة السابقة قد انعقدت في دريسدن في أكتوبر 2024، وهو ما يجعل أي تعثر سوداني في إعداد الملف أو التمثيل الفني والدبلوماسي خسارة لوقت ثمين في مسار دولي لا تنعقد اجتماعاته بوتيرة متقاربة.
ويعود التحرك السوداني في ملف البريبايوتيك إلى سنوات سابقة، إذ قدّم السودان في عام 2018 إلى الدورة الأربعين للجنة مقترحًا يتعلق بوضع إرشادات دولية للبريبايوتيك في الأغذية والمكملات الغذائية، وكان الصمغ العربي، المسجل دوليًا تحت الرقم INS 414، في قلب ذلك التحرك.
وفي مسار موازٍ، كانت لجنة المضافات الغذائية في الكودكس قد رأت أن إضافة الصفة الوظيفية «بريبايوتيك» للصمغ العربي لا تندرج ضمن وظائف المضافات الغذائية، وهو ما جعل لجنة التغذية والأغذية للاستخدامات الغذائية الخاصة المسار الأنسب لمواصلة الملف.
وتنبع الأهمية الاقتصادية لهذا المسار من أن السودان يعد من أهم المنتجين والموردين للصمغ العربي عالميًا، بينما تُصدّر نسبة كبيرة منه في صورة مادة خام يعاد تصنيعها ومعالجتها وتسويقها خارج البلاد، فتنتقل معها نسبة كبيرة من القيمة المضافة إلى الأسواق الخارجية.
أما تعزيز الاعتراف الدولي بخصائص الصمغ العربي الغذائية والوظيفية، مدعومًا بالأبحاث والمعايير العلمية، فيمكن أن يمنح المنتج السوداني قيمة تسويقية أعلى، ويفتح أمامه مجالات أوسع في الصناعات الغذائية والصحية، ويعزز قدرة السودان على التفاوض والتصنيع المحلي وتحسين عائد المنتجين والمزارعين.
غير أن توقيت قرار التجميد أثار تساؤلات داخل الأوساط المعنية بالملف حول احتمال وجود مصالح تجارية وراء تعطيل عمل اللجنة، إذ تشير معلومات متداولة إلى تحركات قام بها رجل أعمال سوداني معروف لديه استثمارات ومنتجات مرتبطة بمجال البروبيوتيك والتغذية الوظيفية، وذلك خلال الفترة التي بدأت فيها اللجنة مباشرة أعمالها.
وتشير المعلومات ذاتها إلى أن رجل الأعمال أجرى لقاءً مع رئيس الوزراء حظي باهتمام إعلامي، وأعقبته تغييرات وتعيينات في بعض المواقع ذات الصلة بملف المواصفات، وهو ما دفع متابعين للملف إلى التساؤل عن وجود علاقة بين تلك التحركات والقرار المفاجئ بتجميد اللجنة.
غير أن هذه الوقائع تطلق مجموعة من الأسئلة والاستفسارات المهمة والملحة في ذات الوقت حول علاقة رجل الأعمال وقرار وزارة الزراعة، وهو ما يجعل من الضروري أن تقدم الجهات الرسمية المعنية توضيحًا شفافًا للرأي العام بشأن أسباب التجميد، والجهة التي أوصت به، والأساس الفني أو الإداري الذي استند إليه.
وتزداد أهمية هذا التوضيح في ظل ما يمثله ملف الصمغ العربي من مصلحة قومية تتجاوز أي شركة أو مستثمر أو جهة حكومية، خاصة أن نجاح السودان في تطوير القيمة الاقتصادية لهذا المنتج يمكن أن يعود بالنفع على قطاعات واسعة من المنتجين والمزارعين والاقتصاد الوطني بأكمله.
فإذا كان قرار التجميد قد اتُخذ لأسباب فنية، فمن حق الرأي العام معرفة هذه الأسباب. وإذا كانت هناك لجنة أو آلية بديلة ستواصل العمل، فمن الضروري الإعلان عنها. أما إذا لم يكن هناك بديل، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا: لماذا يجري تعطيل ملف بهذه القيمة قبل أسابيع قليلة من اجتماع دولي بالغ الأهمية؟
وحتى لحظة إعداد هذا الخبر، لم تصدر عن وزارة الزراعة والري إفادة علنية تشرح أسباب التجميد، كما لم يُعرف ما إذا كانت هناك ترتيبات بديلة لتمثيل السودان في اجتماع نوفمبر، أو لاستكمال الملف الفني والمذكرات العلمية التي كان القرار الوزاري قد أناط إعدادها باللجنة.
وتبقى أسئلة عديدة معلّقة في انتظار الإجابة الرسمية: من الذي أوصى بتجميد اللجنة؟ وعلى أي أساس فني أو إداري اتُخذ القرار؟ ومن يتولى الآن ملف الصمغ العربي أمام «الكودكس»؟ وهل جرى إخطار الجهات والدول التي كان يُنتظر التنسيق معها؟ وما أثر التجميد على التحضيرات السودانية لاجتماع نوفمبر؟
ويبقى السؤال الأكبر:
هل تسمح المصالح الخاصة، إن وُجدت، بتعطيل فرصة وطنية يمكن أن تنقل الصمغ العربي السوداني من مجرد مادة خام إلى منتج ذي قيمة غذائية واقتصادية أعلى يعود نفعها على البلاد كلها؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.