لا تُهزم الأفكار بالشعارات… بل بوحدة السودانيين

 نورا عثمان

 

ليس أخطر ما يواجه السودان اليوم استمرار الحرب فحسب، بل الخطر الأكبر أن تتحول سنوات الدم والدمار إلى جسر تعبر عليه القوى التي ارتبط اسمها في أذهان كثير من السودانيين بعقود من الاستقطاب والصراع، لتعود إلى المشهد السياسي وكأن شيئاً لم يكن.

لقد أثبتت الحرب أن الانقسام هو الهدية الأكبر التي يمكن أن تقدمها القوى المدنية لخصومها. فكلما تفرقت الصفوف، اتسعت مساحة المناورة أمام القوى الأكثر تنظيماً، بينما ظل المواطن يدفع وحده ثمن الفشل السياسي، مرة بالحرب، ومرة بالنزوح، ومرة بالجوع، ومرة بانهيار الدولة.

إن مواجهة أي مشروع سياسي لا تكون بالخطاب الغاضب وحده، ولا بالإقصاء وحده، وإنما ببناء بديل وطني قادر على إقناع السودانيين بأن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فالديمقراطية لا تعيش في الفراغ، بل تحتاج إلى قوى مدنية قوية، ومؤسسات مستقلة، ورؤية مشتركة تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.

اليوم، يقف السودان أمام لحظة فارقة. فإما أن تستمر القوى المدنية في خلافاتها القديمة، فتمنح الفرصة لغيرها لملء الفراغ، وإما أن تدرك أن إنقاذ الوطن أصبح أكبر من أي خلاف سياسي أو تنظيمي.

إن أول معركة يجب أن يخوضها السودانيون ليست معركة السلطة، وإنما معركة إيقاف الحرب. فلا انتقال ديمقراطياً ممكناً والمدافع ما زالت تقصف، ولا انتخابات ذات معنى بينما ملايين المواطنين بين النزوح واللجوء، ولا دولة يمكن أن تنهض فيما تنهار المستشفيات والمدارس والبنية التحتية.

ولهذا، فإن تعبئة الرأي العام يجب أن تبدأ من قضية تجمع السودانيين جميعاً: حقهم في الحياة والسلام. فحين يصبح وقف الحرب مطلباً شعبياً واسعاً، مدعوماً بتحرك سياسي ومدني منظم، تزداد فرص الدفع نحو تسوية تضع مصلحة الوطن فوق منطق السلاح. وقد دعت مبادرات مدنية متعددة إلى عملية سياسية يقودها المدنيون، وإلى وقف الحرب باعتباره المدخل لأي انتقال مستقر.

كما أن بناء جبهة مدنية واسعة لا يعني إلغاء التعدد أو مصادرة الاختلاف، بل الاتفاق على الحد الأدنى من الأولويات: حماية المدنيين، إنهاء الحرب، إعادة بناء مؤسسات الدولة، وترسيخ قواعد التنافس السياسي السلمي. وتشير مبادرات وتحالفات مدنية حديثة إلى أن توحيد الصوت المدني حول هذه المبادئ يمثل أحد الشروط المهمة لإنجاح أي عملية سلام.

ولن تنجح أي تعبئة شعبية إذا بقيت حبيسة البيانات السياسية. المطلوب هو استعادة دور النقابات، والاتحادات المهنية، ومنظمات المجتمع المدني، والشباب، والنساء، والجامعات، وكل المنابر السلمية القادرة على نشر ثقافة الحوار ورفض العنف، والدفاع عن حق السودانيين في دولة تحكمها المؤسسات لا البنادق.

إن الشعب السوداني الذي أسقط أنظمة بالاحتجاج السلمي، قادر على أن يصنع مستقبله مرة أخرى، إذا توفرت له قيادة مدنية موحدة، وخطاب وطني جامع، وإرادة تتجاوز الحسابات الصغيرة.

لقد علمتنا السنوات الماضية أن الوطن لا يحميه السلاح وحده، ولا الشعارات وحدها، وإنما تحميه وحدة أبنائه، وقوة مؤسساته، واحترام القانون، وإيمان الجميع بأن التداول السلمي للسلطة هو الطريق الوحيد لبناء دولة مستقرة.

فالسودان لا يحتاج إلى جولات جديدة من الاستقطاب، ولا إلى إعادة إنتاج أزمات الماضي، بل يحتاج إلى عقد وطني جديد يضع الإنسان السوداني في المقام الأول، ويجعل السلام بداية الطريق، والدولة المدنية غايته، وصندوق الاقتراع الوسيلة الوحيدة للتنافس على السلطة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.