فرحة البلابسة ومحترفي الحرب: دلالات الشماتة على دم المواطن السوداني وسقوط الرواية الرسمية في مجلس الأمن
محمد صالح محمد
مقدمة: عُري الخطاب الرسمي وسقوط القناع
في أروقة الأمم المتحدة، حيث تُقاس المواقف بوزن الضحايا وحجم الدمار الإنساني، جاءت جلسة مجلس الأمن الأخيرة لتشكل منعطفاً أخلاقياً وسياسياً فاضحاً. لم تكن مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل كانت مرآة كاشفة لطبيعة العقلية التي تحكم معسكر الحرب وأنصار ما يُعرف بـ”البلابسة” والفلول.
لقد تجلت في تلك الجلسة المفارقة الأكثر قسوة في الأزمة السودانية كيف تتحول دماء المواطن البريء المكلوم إلى مادة للشماتة والتشفي، وكيف ينبري المندوب الدائم للسودان السفير الحارث إدريس، لتقديم رواية مفضوحة ومخذية تسعى لشرعنة الانقلاب وتبيان ما لا يُبيّن، متجاوزاً أبسط قواعد الحقيقة التاريخية والسياسية.
أولاً: تشريح الموقف في مجلس الأمن… الهروب إلى الأكاذيب
حين يقف ممثل الدولة في منصبة الدولية الأممية، يفترض أن يكون صوتاً للضحايا وحامياً للمواطن الذي أنهكته آلة الحرب. لكن ما حدث من قِبل مندوب السودان جاء مغايراً تماماً؛ إذ سعى مستميتاً لتبرير قرارات 25 أكتوبر 2021 الانقلابية، زاعماً أن الحكومة المدنية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك “قدمت استقالتها طواعية”، وأن الجيش “لم ينقلب”.
هذا السرد الملتوي يُمثل محاولة بائسة لمحو الذاكرة الجماعية للشعب السوداني وتزوير وقائع موثقة بالصوت والصورة.
لقد تجاهل المندوب عن عمد أو جهل سياسي مطبق الآتي:
طبيعة الوثيقة الدستورية: إن الوثيقة لم تكن منحة من أحد، بل ثمرة دماء وتضحيات ثورة ديسمبر المجيدة، ونصّت صراحةً على شراكة إلزامية ومحددة زمنياً بين المكون المدني (قوى الحرية والتغيير) والمكون العسكري مما يجعل أي استفراد بالسلطة انقلاباً صريحاً عليها وعلى العقد الاجتماعي.
الاعتقال والقمع: إن استقالة رئيس الوزراء جاءت تحت وطأة الاعتقال الجبري والعزلة السياسية فضلاً عن بحر الدماء التي سكبتها القوات الأمنية في الشوارع رفضاً للانقلاب، وهو ما وثقته تقارير حقوقية دولية ومحلية لا تقبل الشك.
ثانياً: لماذا يفرح “البلابسة” وأنصار الحرب بمقتل المواطن؟
إن التفاعل المريب والفرحة العلنية التي يبديها داعمو الحرب وفلول النظام البائد (البلابسة) عند وقوع مجازر أو انتهاكات تطال المواطنين السودانيين، لا يمكن تفسيرها إلا من زاوية المصلحة البحتة لاستمرار الاقتتال. فالأسباب الكامنة خلف هذا السلوك المريض عديدة وعميقة:
إطالة أمد البقاء السياسي: يدرك أنصار الحرب والفلول أن عودة المسار المدني الديمقراطي تعني نهايتهم السياسية والقانونية المحتومة ومحاسبتهم على تركة الثلاثين عاما من الخراب. لذا، فإن استمرار الحرب ومقتل المواطنين هو الطريقة الوحيدة لشغل الفضاء العام وإبقاء مؤسسات الدولة رهينة لديهم.
استثمار المآسي للتحشيد: يُوظّف البلابسة الدماء والنزوح والدمار لتأجيج النعرات وتغذية خطاب الكراهية، محاولين شيطنة كل صوت ينادي بوقف الحرب أو ينتقد الأداء العسكري. بالنسبة لهم، كل مواطن يموت هو “وقود” إضافي لماكينة التعبئة الجهوية والقبلية.
الشماتة والانتقام الطبقي والسياسي: تعكس فرحة هؤلاء بحق المواطن السوداني عقلية انتقامية وثأرية تجاه جيل ثورة ديسمبر الذي تجرأ على كسر حاجز الخوف وإسقاط نظامهم.
إنهم يرون في كل ألم يعانيه الشعب السوداني عقاباً له على خياراته الثورية.
ثالثاً: تداعيات الخطاب المخذي على مستقبل الدولة السودانية
إن تبني الدبلوماسية الرسمية للروايات الانقلابية وتمريرها في المحافل الدولية لا يخدم سوى تعميق الأزمة وإطالة أمد المعاناة. فهذا السقوط الخطابي يؤكد أن العقلية المسيطرة على مفاصل القرار لا تزال تعيش في جلباب الماضي، متجاهلة حجم التحولات الكارثية التي جلبها استمرار العنف على وحدة السودان وسلامته الإقليمية.
حين يفقد ممثل الدولة بوصلة الدفاع عن شعبه ليتحول إلى مدافع عن سلطة أمر واقع منهارة، فإنه يسهم بشكل مباشر في عزل السودان دولياً، ويفقد الدولة آخر ما تبقى لها من شرعية أخلاقية أمام شعبها وأمام العالم.
الحقيقة التي لا تُهزم:
إن دماء المواطن السوداني البريء التي يُتاجر بها البلابسة ويسخفها ممثلو السلطة في المحافل الدولية، ستظل الشاهد الحي على بشاعة هذه الحرب وسقوط عرّابيها سياسياً وأخلاقياً. مهما بلغت حجم الأكاذيب في مجالس الأمن، ومهما تجبرت آلة الحرب وداعموها فإن إرادة الشعب السوداني في استرداد ثورته، وبناء دولته المدنية الديمقراطية الخالية من سطوة العسكر والفلول ستظل هي المنتصرة في النهاية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.