خبراء لـ”عين الحقيقة”: وحدة القوى المدنية شرط أساسي لإنجاح الانتقال السياسي وبناء دولة مستقرة
تتصاعد الدعوات داخل الأوساط السياسية والمدنية السودانية إلى ضرورة توحيد القوى الديمقراطية حول مشروع وطني مشترك، في ظل استمرار الحرب وتعقّد المشهد السياسي، وسط مخاوف من أن يؤدي الانقسام بين القوى المدنية إلى إتاحة المجال أمام عودة قوى النظام السابق إلى واجهة الحياة السياسية.
ويرى مراقبون أن الأزمة السودانية لم تعد تقتصر على المواجهة العسكرية، بل باتت ترتبط أيضاً بطبيعة الترتيبات السياسية التي ستلي الحرب، وما إذا كانت ستقود إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية، أم إلى إعادة إنتاج الأزمات التي عاشتها البلاد خلال العقود الماضية.
ويؤكد محللون أن نجاح أي عملية انتقال سياسي يتطلب توافقاً واسعاً بين القوى المدنية والسياسية، بما يضمن بناء مؤسسات دولة قائمة على سيادة القانون، ويمنع احتكار السلطة من أي طرف.
وحدة الصف المدني
وقال المحلل السياسي الدكتور عبد الرحمن الأمين، في تصريح لـ**”عين الحقيقة”**، إن التجارب السياسية السودانية أثبتت أن انقسام القوى المدنية يضعف قدرتها على التأثير في مسار الأحداث.
وأضاف أن “أي مشروع للانتقال الديمقراطي يحتاج إلى جبهة مدنية واسعة تمتلك رؤية مشتركة بشأن وقف الحرب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإدارة المرحلة الانتقالية، بعيداً عن الاستقطاب السياسي”.
وأشار إلى أن وحدة القوى المدنية لا تعني تطابق مواقفها في كل القضايا، وإنما الاتفاق على الحد الأدنى من الأهداف الوطنية المتعلقة بالسلام والدستور والتحول الديمقراطي.
السلام أولاً
من جانبه، قال الباحث في شؤون التحول الديمقراطي الدكتور حسن الساعوري لـ**”عين الحقيقة”** إن إنهاء الحرب يمثل المدخل الطبيعي لأي عملية سياسية ناجحة.
وأوضح أن “استمرار الصراع المسلح يجعل فرص بناء توافق سياسي أكثر صعوبة، ولذلك فإن وقف إطلاق النار، ومعالجة الأزمة الإنسانية، وتهيئة بيئة آمنة للحوار، تمثل أولويات لا يمكن تجاوزها”.
وأضاف أن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب مشاركة واسعة من القوى السياسية والمجتمعية، بما في ذلك الشباب والنساء والنقابات ومنظمات المجتمع المدني.
الإصلاح المؤسسي
ويرى الخبير في الحوكمة والإدارة العامة الدكتور محمد عبد الجليل أن بناء دولة مستقرة لا يتحقق فقط عبر الاتفاقات السياسية، وإنما يحتاج أيضاً إلى إصلاح مؤسسات الدولة.
وقال لـ**”عين الحقيقة”** إن “إعادة بناء الخدمة المدنية، وإصلاح القطاع الأمني، وتعزيز استقلال القضاء، تمثل عناصر أساسية لضمان عدم تكرار الأزمات السياسية التي شهدها السودان”.
وأضاف أن أي عملية انتقالية تحتاج إلى مؤسسات قوية وقادرة على إدارة الدولة بعيداً عن الولاءات الحزبية أو العسكرية.
دور المجتمع المدني
وأكدت الناشطة في قضايا السلام الأستاذة سارة إبراهيم، في حديث لـ**”عين الحقيقة”**، أن منظمات المجتمع المدني يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تعزيز الحوار الوطني وبناء الثقة بين المكونات المختلفة.
وقالت إن “إشراك الشباب والنساء والنازحين والضحايا في العملية السياسية يعزز من شرعية أي تسوية، ويضمن أن تكون أكثر تعبيراً عن تطلعات المجتمع”.
تحديات المرحلة المقبلة
ويرى مراقبون أن السودان يقف أمام مرحلة مفصلية، تتطلب من القوى السياسية تجاوز خلافاتها والعمل على صياغة مشروع وطني جامع، يضع إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة في مقدمة الأولويات.
كما يشير خبراء إلى أن نجاح أي انتقال سياسي لن يقاس فقط بتشكيل حكومة جديدة، بل بقدرة المؤسسات المدنية على ترسيخ مبادئ سيادة القانون، واحترام التعددية، وضمان المشاركة السياسية السلمية، بما يعزز الاستقرار ويمنع تكرار دوامات الصراع.
ويخلص محللون إلى أن وحدة القوى المدنية والسياسية حول برنامج وطني واضح قد تشكل عاملاً مهماً في دعم الاستقرار وإطلاق مرحلة جديدة تقوم على السلام، وإعادة الإعمار، وبناء مؤسسات الدولة، مع ترك حسم التنافس السياسي للآليات الدستورية والانتخابية في إطار القانون.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.